| ► | شباط 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | ||

“المتحمسون الأوغاد” *هاشم غرايبه إلى محمد طمليه.. لما توفيت يا صديقي غصت أعمدة الصحف بالكتابة عنك، مما جعلني أحجم عن رثاءك وأنت تستحق، ولكن اعذرني؛ فلم أرغب حينها بأن ابتذل مشاعري تجاهك بترديد ما يقوله الزملاء والأصدقاء.. واليوم تغص وسائل الإعلام باستنطاق حذاء منتظر الزيدي مما سيجعل من الصعب أن تأتي الكتابة بجديد في هذا الموضوع. لكني كلما تابعت ما يقال ويكتب عن حذاء منتظري الزيدي تذكرتك أيها الصديق الغالي محمد طمليه.. وتذكرت كتابك “المتحمسون الأوغاد”. لقد كان الحذاء من مفرداتتك الأساسية، وكثيرا ما ذكرته في مقالاتك يا محمد، وأعتقد أن منتظري الزيدي كان صديقا سريا لك، ولعلي السوداني، ولأحمد حسن الزعبي.. وغيركم من الكتاب الساخرين!.. لم اقرأ، أو أشاهد شيئاً من تقارير منتظري الزيدي الصحفية قبل هذه الحادثة، لكني أميل للاعتقاد أنه مثلك، شخص ساخر بالفطرة، أراد أن يسخر من الجبن والانحطاط والتبجح بالكلمات.. منتظري الزيدي صحفي يحترم مهنته، ويعي ذاته، لكن المحتل”الديمقراطي” لم يبق في جعبته شيئا للتعبير عن رأيه، واثبات وجوده؛ إلا فردتي حذائه. في العالم يحتج الناس بمختلف الوسائل السلمية، ولطالما ضرب السياسيون بالبيض، أو البندورة، أو قوالب التورتة.. بل إن نائب الرئيس الأمريكي تلقى بالمزيد
في ذكرى الخامس من حزيران
*هاشم غرايبه
أذكر..
ببدر عدس. غرفتان مبنيتان من الحجر البازلتي يفتح باباهما تجاه الشرق .. ثمة مرحاض يقف وحيدا على حافة البيدر ، وما بينهما بنّاء تقليدي يرسم مخططا لغرفتين إضافيتين على قفا علبة سجائر ماركة "ريم" .. ويشرح خطته محركا يديه في الهواء ومخططا بقدمه على الأرض لتوضيح نواياه لصاحب البيت .. تعابير وجه الرجلين صارمة أثناء النقاش ، وعاملان ينتظران نهاية النقاش يصبر نافذ.. ثمة رجل مسن يجلس هادئا في ظل شجرة الكينا .. لكنه سيعترض في النهاية على القرار الذي سيتخذه ابي .. أيا كانت نتيجة الحوار بينه وبين "المعمرجي" .. فهو جدنا. .
ودوى القصف.. فانطفأت حمرة الدحنون، وذبل الأقحوان، واصفر العشب، و"استوى العدس"..
في البدء قصف الرعد،
"سبحان من سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته". يهطل المطر مدراراً، ومع أول صحو، تخرج حوارة للمثلث، وبين الوديان الثلاثة (الصوا، وأبو حسن، والغربي) ينمو النبت ويتلون العيش بلون زاه لذيذ ريان.
ودوى القصف: في الحرب الكونية الأولى دوت مدفعية الأتراك، وقصف (الطوبجي) طلائع المتطوعين الذين تجمعوا هنا للحاق بالثورة ضد الأتراك.
في الحرب العالمية الثانية دوت طائرة انجليزية فوق المثلث فلوح لها جدي بعبائته وصاح:(اهوي ع اليهود اهوي). لم تنقض طائرة الإنجليزعلى اليهود، وقصف الديناميت صخور مثلث حوارة لتمر طريق حيفا بغداد الدولية.
تلاحق بعد ذلك قصف المثلث:
قصف الجيش العراقي هناك عام 1948.
قصف الجيش السوري عام1956.
عام1967 هدرت طائرات العدو الصهيوني قليلاً ولم تقصف. لكن القصف استمر بعدها طيلة السنوات التالية للمثلث.. كان آخرها عام 1973.
الاثنين 5 حزيران 1967 الرياح الشرقية تثير حفنة رمل وتزحف مسرعة بين الدروب الترابية، تلم بضع أوراق يابسات ، وتنضم للجوقة أكياس فارغة ، تسير الريح الهوينا .. ثم لا تلبث أن تتسارع حركتها وترتفع إلى الأعلى زوبعة نشطة .. يفرك الولد عينيه رافضا بإصرار التخلي عن الطائرة الورقية.. كنت ولدا يطيّر طيارة ورقية.. وحافلة
ملامح الحياة الجديدة
*هاشم غرايبه
ياه كم كبرنا!
الانتقال إلى بيت جديد يذكرك بأنك عتيق، ويحتم عليك نبش كل محتويات البيت، ويخرج كل المسكوت عنه لسنوات في الزوايا المنسية، والأرفف العالية، وسدة المطبخ.. فترمي أشياء لا لزوم لها، وتوظب "كراكيب" لا أهمية لها من باب "حوينتها"، ويدهش الأبناء بأنهم كانوا يلعبون ويفرحون بهذه الأشياء الساذجة قياسا للتطور التكنولوجي الهائل على ألعاب الكمبيوتر اليوم..
تعثر على بيجر صغير كنت تلقيت بواسطته خبر وفاة الوالد قبل عشر سنوات، تترحم عليه وعلى الراحلين، وتدهش كم تطورت الاتصالات خلال العشر سنوات الأخيرة!
تكتشف ربة البيت أن مسند الكنبة المكسور والمسكوت عنه لسنوات يستوجب تغيير طقم غرفة الضيوف بالكامل، فتنشب حرب أهلية حول ما يرحل معنا، وما يستغنى عنه.. وما ينبغي استبداله.
يجد ابنك الصغير "برنسا" مغربيا أحضرته ذات سفرة لأخيه الذي كبر وصار شابا، فيختال الصغير فرحا بالرداء وكأنك أهديته له للتو.. وتنثال ذكريات رحلة قديمة إلى فاس ومكناس ومراكش، فتحن لسفرة إلى تلك البلاد الجميلة من جديد.. ترى هل ستكون بلادا جميلة كما كانت في تلك الرحلة قبل خمسة عشر سنة؟
أمي - أطال الله عمرها- لا يتملكها الحنين إلى الماضي، تقول:
" يقطع قبل، وحياة قبل، طين وشطط وحصيدة وسليقة.. انقلي مي وحطب، وزبلي الفرن، وغربلي وكربلي كل عمرك.. اليوم الناس بألف نعمة، حطي إيدك ع الحيط تطلع مي، حطي يدك ع الحيط تشعلي الضو".
.. لكن أمي ككل الأمهات العتيقات، لا تحب البعزقة، كانت تصنع من ملابسنا التي نستغني عنها أغطية صيفية خفيفة.. لكن هذه "اللحف" الخفيفة استقرت في قاع "المطوى"، أو تحت فرشة السرير.. هل آن أوان الاستغناء عنها؟.. هذه الأغطية الخفيفة رغم أن بعضها لحق به عفن الرطوبة لقلة الاستعمال، إلا أنها تحمل أرشيفا كاملا لملابس العائلة عبر تبدلات الموضة، ونمو الصغار، وسمنة الكبار.. هذا "مريول" أختي عندما كانت في "المترك"، وتلك قطعة من
وصلت شبك الزيارة شبه مبللة.
أحضرت لي دجاجا مطهوا بالزيت والثوم.. والاهم خبز الطابون الطازج الذي احبه.
حاولت أن تقبلني لكنها لم تتمكن بسبب ازدحام المكان.. بكت وتنحت قليلا.. أول مرة منذ مدة طويلة
تطفر الدمعة من عيني وأخفيها بسرعة ..
انفرجت زحمة الزوار قليلا .. عادت أمي باسمة .. تحدثنا عن الدار والموسم الزراعي .. سألتها عن همة والدي معها فزجرتني بلطف.. تنقلت بين التفاصيل ..سالت عن الاخوة والأخوات .. الأحفاد والحفيدات.. الغنم والدجاج أيضا .. وفي السياسة تحدثنا ايضا.. كنت في بداية الحبس اضطر لطمأنتها بان الحبس لن يطول ، وكانت تلح علي أن اترك ما في رأسي أعود اليها.. الآن تقول
اللي قطع البحر مش عاجز عن البحيرة ).. ( ما يقطع الراس غير اللي ركبّه ).. لا تتكلم كثيرا ، لكنها تشد أزري بطريقة لذيذة لا تجيدها إلا الأمهات.. ( نايفة خلفت ولد أسمته هاشم ).. تلمع عيناها بفرح طفولي وهي تضيف :
( صاروا سبعة بحواره على اسمك )..
فول اخضر.. بيجاما.. جرابات شتوية .. جرزة صوف نسجتها أختي نجاح .. رائعة زيارة الام.
أبي.. هذا الرجل الوقور الحازم ، تقول عنه أمي عنه حين تريد إطراءه
نقطة منه تصلب بحرا).. دائما يبتلع الامها.. يرتفع فوق شكاياتها.. في نظرها ما زال قادرا على إيجاد حل لكل معضلة.
اجل أبى بإخلاص ومودة.. طابور الرجال أطول من طابور النساء على باب السجن .. يصل أبي متأخرا ومبللا دائما كان ياتي الى البيت متاخرا ومبللا وقت المطر.. يسلم باقتضاب لكن بحرارة .. حدثني بما سمعه من أحداث العالم ، وتدرج إلى أحوال العرب ، وانتهى إلى سياسة قريتنا : الصراع على المجلس البلدي .. نقاشات المضافة .. مواقف عرفاء القوم.. أفراح أهل حواره واتراحهم.. إشكاليات الزواج والطلاق ، والموت والميراث .. ما حل منها وما تعقد.. يصمت قليلا تاركا المجال لامي .. لكني استزيد .. يبتسم .. أبي ليس زعيم قومه ، لكنه محبوب بينهم.
تشاركا أبي وأمي الحديث وهما يوجزان لي إنجازاتهما في زراعة الزيتون الخلة الشرقية ، أو في بناء سنسال للكرم القبلي ، أو بيع ماشية ، أو إقامة وليمة.. ويستشيراني فيما هما مقبلان عليه من مشاريع ، فارد عليهما: ( اللي تشوفوه ) .. يغتما.. من عادتي أن أعارض أو أشجع ، في السجن لم اعد كذلك .. زرعوا
بوح
*قصة:هاشم غرايبة
منذ التفاحة الأولى يحدث ذلك!
قالت: الطريق وجدت للمشي، لا للوصول.. إذا وصلت غابت الطريق، وتخلّى عنك الرفيق!
بعد أن علمتني العيش مع الغموض، وقبول ما تجود به الطريق؛ غادرتني!
.. وكنت أحدس بما سيحدث، وأعرف أننا سنفترق في تلك اللحظة التي نكون فيها مكتظين بالبوح، ولا نبوح!
ما دام الأمر يحدث كذلك منذ الأزل، فلا شك أني تعرضت له، أو عرض لي وأنا في التاسعة من عمري، ولكني لا أتذكر تفاصيله، مع اني متأكد أنه حدث بالبداية ذاتها، والنهاية ذاتها، وعلى الطريق ذاته!
يحدث ذلك دائما في اللحظة الأخيرة! نكتشف أن ما نريده حقا وبقوة، وما يحقق لنا السعادة؛ هو شيء يوشك أن يصير وراءنا، أو سيطير من بين أيدينا، ولا مناص.
بي رغبة في أن أظل هائما في الطرقات حتى ارتفاع الشمس. عمري الآن تسعة وخمسون عاما. هذا سن حرج، لا أعرف بأي معنى أقول إنه سن حرج.. شعرت بهذا الحرج في سن التاسعة عشرة، والتاسعة والعشرين، والتاسعة والثلاثين.. في سن التاسعة والأربعين تتمنى لو تستطيع توقيف الزمن، لو تستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. .. رقم تسعة يزداد حرجه، وتزداد حلاوته في فمي كل دورة. ماذا عن حرج وحلاوة سن التاسعة والتسعين؟
*
أحسن الطريق أوله، "وكل من لا يصحب رفيقا فهو ليس على بينة من سلامة الطريق".. التقيت بها:
أعرفك منذ الأزل!_
(من أول نظرة، كانت تتولد لدينا نفس المزاعم!)
كنت في التاسعة عشرة من عمري، وكانت إلى جانبي طيلة السنة الدراسية: صبية تركمانية لها عينان بلون السماء، كانت تتكلم اللهجة العراقية بلكنة قومها، وكنت أتكلم بلهجة حورانية ولكنة شامية، وكنا كثيرا ما نتحاور بتواطؤ مشترك لتظليل من حولنا، وبلغة مرتبكة أوقعتنا في سوء فهم حميم.
كان قيظ بغداد شديدا ذلك اليوم. خرجنا من الامتحان الأخير معا، ومشينا تحت الشمس اللاهبة، وكان ثمة راديو يغني: ياللي قطعة سما بعينك، خاف افززها من اقلّلك: أنا احبك.. كانت أقدامنا تكاد تترك أثرها على الإسفلت لشدة الحر، لكنه كان بردا وسلاما.
شربنا ماء من ساقية الحاجة عيوشة في العطيفية، واستدرنا إلى باب المعظم حيث شربنا لبن أربيل، ومشينا في شارع الرشيد وشربنا زبيبا من عند الحاج زبالة، ووصلنا منطقة حافظ القاضي فدخلنا مطعما رخيصا مكتظا بالزبائن؛ لا لنأكل بل لنفرغ ما شربناه. حشرنا جسدينا على طاولة متواضعة، وتناولنا طبق تمن ومرق مع غرباء فظين، ثم تابعنا المشي فرحين.. عبرنا من تحت جسر الجمهورية إلى شارع أبي نواس، ووصلنا المسبح، ثم عدنا في الباص إلى مجمع الافتراق في الميدان .. لكنا لم نفترق، بل عدنا أدراجنا إلى الشورجة، ثم الى منطقة البنوك.. وعبرنا سوق الصفافير باتجاه دجلة.
كنا نثرثر عن كل شئ، ونضطر أن نشرح الكلمات التي نتبادلها في كثير من الأحيان، فأنا لم أتقن اللهجة البغدادية بعد.. كنا نستعين باللهجة المصرية (لغة السينما المهيمنة آنذاك) لتقريب المفاهيم، ولتصحيح سوء الفهم، ولما حانت لحظة البوح بما اختزنته صحبة عام كامل من التآمر على رغباتنا، افترقنا بصمت، وكأن الواحد منا نسي شيئا في جيب الآخر.. ابتعدنا عن بعضنا دون أن نأخذ ما نسينا، آملين أن غدا يوم آخر. لكن غدا كان سفر، وعدت بعد العطلة الصيفية من عمّان إلى بغداد فلم تكن الصيبة في الكلية، ولم أكن امتلك الحدس الكافي لأعرف أنها هاجرت وأهلها إلى خارج العراق!
*
خافضة البصر أو رافعة، لا بد أن تلتقي العين ب









