Yahoo!

الشهبندر

كتبها هاشم غرايبه ، في 24 كانون الأول 2008 الساعة: 12:36 م

الشهبندر “رواية” 2003 م بلا أبواب كنا في مقهى الأدباء نلعب الورق - لا أعرف أحدا من الأدباء ارتاد هذا المقهى، فقط، غالب هلسه ذكره في ” سلطانة ” - .. إنه مقابل سينما البترا في شارع طلال. أكاد أراه هذا الذي يرقب ما نرقن على دفتره: يشبه القص الكبة، بوجه مدور حنطي، وكوفية مرقطة، وعقال حموي، ومزنوك (روز) ، وحزام عريض من الساتان الخمري يحيط ببطنه الناهضة .. ثمة (دامر) معلق على وتد لونه أخضر زيتي، وقماشه جوخ أصلي، تبين طرف بطانته الحريرية الحمراء مثل شعلة نار وهي تعكس أشعة الشمس المائلة للغروب فوق جبل عمّان.. ها هو صاحبنا يضيق عينيه ليقرأ قليلا، ولأنه لم يشتم رائحة الحبر مختلطة بروائح أصناف بضاعته وهي تتحرك - كان وهو مكب على دفتره قادرا على تمييز (حسفة) الأشياء من حوله - ولأنه لم يلمح أسماء البضائع الأليفة، ولم يشاهد أرقاما تشي بعدد الدنانير التي دخلت أو خرجت، فقد شبك يديه على بطنه، وأسند جذعه إلى ظهر مقعده المجدول بالقش، وارتكز بكوعه على ذراع المقعد المصنوع من خشب البلوط خصيصا ليلائم حجمه ومقامه، وتنهد: تسألوني عن شارع طلال ؟ .. كان اسمه طريق المهاجرين، لأنه يقود إلى حي المهاجرين الشركس، وسمي بشارع طلال سنة 1934م نسبة إلى ولي العهد، الأمير طلال بن عبد الله، بمناسبة زواجه من الفاتنة زين الشرف.. كنا حوله (خلدون الداود وسعود وأبو خليل ورمزي ويحيى وأنا)، ورحنا نتصفح ما دوّنه في دفاتره، ونتحدث عن الرواية التي ممكن أن تنسج حوله.. سأل خلدون الداود: بماذا كنت تفكر وأنت تدون هذا الدفاتر، وتجمع تلك الأوراق؟ ضحك الشهبندر وقال، دون أن يوسع ما بين جفونه الذابلة: التفكير! يا لهذه الكلمة المتبجحة! كل ما يفكر به المرء يصلح لإلقاء الخطب، أو لإنشاء المواعظ، أما الحياة فلها رأي آخر: فحين يُلقى المرء في الماء يتخبط أو يعوم أو يغرق.. قال رمزي: الكتابة مثل السوق، بحر، الشاطر يسبح وقليل الحيلة يغرق. قال ابو خليل: إننا أمام مدينة بلا أبواب، مدينة التلال والشعاب، تدخلها من أينما أتيتها.. قال سعود : هل ستكتب رواية تاريخية قلت: أجد نفسي امام مدينة سهلة ممتنعة، وصعبة مبذولة. ثمة سيل بلا ضفاف، وقلعة بلا أسوار، وبشر ودروب.. سأكتب حكاية عمان.. لا تاريخها. الشهبندر كنت ُأعرف ب ( الشهبندر ) بين جماعة التجار. وكنت أغضب إذا ناداني أحد بهذا اللّقب، وأخجل إذا تهامس به الأصدقاء! .. كما كنت امتعض من قولهم: ( التجارة شطارة ). لم أكن أشطرهم، بل كنت أكثرهم إقبالا على الحياة، لهذا أشعر بالفرح الآن، وكأن الكتاب الذي دخلته .. ماذا تسمونه ؟ قد منحني حياة جديدة .. لا يمكنني سوى موازنة فرحي هذا ، مع شعوري بالتوسع المدهش لحظة موتي الفريدة تلك . الآن يبدو لي ما أراه مألوفا كأنه يخرج من ذاكرتي ، ومدهشا كأنني أسمعه لأول مرة ! .. مضى وقت طويل على تهشمي دفعة واحدة ، خلال جزء من الثانية اهتزّ كياني كلّه ، لكني عشت التفاصيل : أحسست بانسحاق وجهي وجبيني ، غمازتي على الخد الأيسر التي كانت تعجب لوليتا لم يبق لها أثر .. أذكر أن فمي كان ممتلئا دما وزجاجا ! .. لا أدري إن كان ذلك حقيقة أم بتأثير صور وخيالات سابقة. * كنّا في مقهى حمدان ، أول طلعة الشابسوغ، حيث نلتقي نحن الشباب المتعلمين، شاعرين بالتميز على من هم أقل منّا حظا بالتعليم. إثر انتصاري عليه في دوري الشطرنج، خطر ببال الشيخ بدري الذي تخرج في الأزهر حديثا أن يداعبني بلقب الشهبندر. ما بين تألق مهاراتي مع شاه الشطرنج، وتوسع تجارتي، وازدهار عمّان، تعلمت التعايش مع اللقب، وأحببته، وإن كنت أشعر أنه فضفاضا عليّ، كما أشعر أن صفة مدينة فضفاضة على عمّان. شاه تعني السيّد عند العجم، وبندر تعني المدينة عند المصريين ( كما يحلو للشيخ بدري أن يفسر ) .. كيف ُجمعت الكلمة وصارت مَرتبة وامتيازا ؟ يضحك بدري - على طريقة رجال الدين الشباب ، ضحكة هي بين القهقهة المحكومة بالتعود على الكبت ، وبين التبسم الماكر – ويقول : الفضل في شيوع هذا اللقب يعود للطبعة المصرية لحكايات ألف ليلة وليلة ، ولا فضل للساني الذرب في تركيبه كما تدعي. الآن أتباهى بلقبي ، وأفرح به لأنه صار اسمي. يقول المتورمون من زملائي إنه لقب لا يعني شيئا في النهاية : ” فشيخ السوق هو كبير التجار أبو عبد الرحمن العسبلي، وعمدة المدينة الجديد ورئيس مجلسها البلدي هو سامح بك ، وأمير البلاد هو ولي نعمتنا وحامي مقدساتنا الأمير عبد الله أطال الله بقاءه .. وما أنت إلا لاعب شطرنج ماهر “. ما علينا ، كل واحد لديه ما يتباهى به ، ولديه ما يخجل منه ، حتى محسن العتال يتميز بأنه يأكل صينية هريسة كاملة مع أوقية شطة حمرا دون أن يشرب نقطة ماء ، ويفاخر بذلك ! * تسألون كيف صرت كبير التجار ؟ .. لقد أخذت بالنصائح الذهبية التي كان يرددها أبي ، ولم يحسن تطبيقها : 1- ادخر الموقف الصلب لصفقة رابحة . 2- إذا رفعت سلاحك فعليك أن تستخدمه وإلاّ ارتد عليك . 3- استثمر خطأ خصمك بمهارة . بخصوص المبدأ الأول أنت لا تعرف أن الصفقة رابحة إلاّ إذا ربحتها ، أما حيال المبدأ الثاني فكنت أظن أن سلاح التاجر ماله ومصداقيته ، وترسه النظام والأمن والقانون ، فعلّمني السوق أن للتجارة أسلحة كثيرة آخرها المال والمصداقية ، واكتشفت أني رجل يشعر بالعجز أمام القانون : قانون البشر أو السماء ، ولكن متى تحدد السعر أستردّ قدرتي على الحركة والكلام ! أرأيتم ؟ من خالف أباه فما ظلم . أقرّ أنه - أذكره بلا ضغينة الآن - استغلّ غفلتي بمهارة ، وقتلني بدم بارد دون أن ينتبه أحد أني متُّ مقتولا ، وهذا نقيض المبدأ الثالث . كانت أمي - رحمها الله - تدعو لي قائلة : روح يمّه ، الله يبعدك عن الحاكم والحكيم ، تعني السلطان والطبيب .. وكنت قريبا منهما ، لكني كنت قادرا على التعايش معهما . لما متّ ، قالت نظمية خانم لزوجتي تواسيها : سعيد من مات وغبار الطريق على قدميه ! لكن الغبار والزجاج كان في فمي ، وليس على قدميْ فحسب . * .. كنت سعيدا ، الآن أدرك أني كنت سعيدا ، إنك لا تنتبه للتفاصيل التي مرت بك إلا بعد أن يكتمل المشهد ، أي بعد أن تموت ، فقد كان لي دخل جيد ، وأسرة أليفة وعشيقة رائعة ، وكان لي زملاء عمل مرحون . أضحك من تلك الليالي التي سهرتها قلقا على بضاعة لم تصل ، أو زبون أهملته ، أو صنف لم يخزن كما ينبغي ، أو مبلغ من المال لم يسجل في دفتري بدقة . بدأت تاجرا للسكّر .. ثم صرت أدير عملا واسعا وناجحا . كنت أتبع خطة بسيطة لكنها صعبة : كل عام أضيف جديدا . لكن النجاح لا يسير بخط مستقيم صاعد ، بل تنتابه العثرات ويلمّ به النكد ، والحصيف من قاده الوقوع في الخطأ إلى الحل الأكثر صوابا . لحظات التعثر والنكد ، كنت أفكر بمهنة والدي ، وأسأل نفسي : لماذا لم أبدأ من حيث انتهى والدي ؟ أبي انتهى جمّالا ينقل بضائع التجار على الجمال ، بعد الجمال تأتي مرتبة الشاحنات ، لماذا لا أشتري سيارة ترك ، وأعمل سائق شحن ، أحلم بتلك السيارة التي تزاحم الجمال والبغال والحمير ، وتفرض هيبتها على الناس في السوق ، فيتراكضون حولها زاعقين مستبشرين ، وتفرغ حمولتها من السكّر والأرز والشاي والبن ، أو تشحن بضاعتها من القمح والصوف والجلود بكل فخر . لم لا أعمل سائقا يجوب البلاد : يوم في الشام ، ويوم في حلب ، ويوم في بيروت ، ويوم في القاهرة . أسافر إلى بغداد شرقا ، أو إلى حيفا غربا . أصلي الصبح في الأقصى ، وأفطر كنافة نابلسية ، واتغدّى قدرة خليلية .. وأتابع سيري إلى غزة فالإسكندرية ! تعلّمت سوق المركبات ، واشتريت أتومبيل نوع ( دملر ) ، يتناسب وسكني في جبل عمّان بين دار منكو وسكن أبو حنيك ، ويعزز مكانتي في السوق . * في الحياة لابد لك من منافس، حتى زوجتي تنافس أختها في لبس الفرمليات الفاخرة، ويتبارين في اقتناء ( كوانات ) حديثة لأسمهان وأم كلثوم، ولا يفتأن يفاضلن بين التاجر - أنا - وحضرة الأفندي عديلي ، ابن الحكومة ؛ الموظف بدائرة الأراضي والمساحة. كي تزدهر تجارتك ينبغي أن يكون لك منافس تقيس بخطواته هو مقدار تفوقك أنت، هذا الكلام ليس تقليلا من شان منافسيَّ ، لست قصير النظر إلى هذا الحد . فقد كنت تاجرا صغيرا : ( دكنجي ) بلغة كبار التجّار الساخرة ، وكان آخرون يقيسون تفوقهم بتعثّر خطواتي وزلاّت لساني. .. لردح من الزمن ؛ ظلّ أبو عبد الرحمن شيخا للسوق ، وكبيراً للتجّار ؛ مكانة ورثها عن أبيه كابراً عن كابر . أعرضت عن منافسته وإيقاظ غيرته ، بل أغدقت عليه صفقات لم يكن يحلم بها؛ فخرجت من مرمى سهامه ، وزيّنتُ له صحبة من أحاطوا به : قاسم أفندي ( عديلي ) ، وكان مسئولا كسولاٌ في دوائر الدولة.. كان الشيخ يستفيد من صحبته في تسهيل سير المعاملات في دوائر الدولة . ( بينما كان معتمدي في دوائر الحكومة رجل لا ترقى له الظنون، ولا نلتقي إلا سرا، وعند العقد الصعبة ) . 2- سليم الدقر:( عديقه ) كما كان يسميه ، أو صديقه اللدود ، منافسه الأول في السوق ، وهو متعاطٍ جشع للتجارة .. ليكون مقياسا ( لسذاجتي ) عند كبيرنا . 3- الشيخ بدري الازهري : ( بدري ) خطيب مسجد يملّه الناس ، وبخاصة أبو عبد الرحمن ، فقد كان يعتمد أقصر الطرائق لممارسة تدينه ، ولكن صحبة شيخ الدين كانت ضرورية لشيخ السوق ليدرأ به ألسنة السوء . 4- أبو سند : مختار ماكر ، يزاوج بين التلذذ بطعام أبي عبد الرحمن والاستمتاع بممارسة الغيبة والنميمة ، ويتداول معه الشائعات التي يتناقلها الناس ، ويحار بين الولاء لكبير السوق ، والإلتزام بمتطلبات الجراية الشهرية التي أجريتها له .. أهمس لكم فقط : كانت جرايته سبعة قروش شهريا ، وكان ينقل لي أخبار القوم .. 5- مجيد : غنمة طيبة في قطيع التجار! يحلم أن يصير ( مرياعاً ) . يمشي وراء حمار الراعي بإخلاص ، ويقود القطيع مقرقعا بجرسه الرتيب . رجل لا يضر ولا ينفع .. ( كم نخطئ في تقييم الآخرين والحكم على الناس ! ) . وكان ما أردت : أمسكت بأبي عبد الرحمن المتعة ، واشتهاء ما لدى الآخرين ، والحمق ، وبدت عليه تلك المسحة التي نراها على وجوه الأغنياء المترفين : مسحة الانزعاج ، والإعياء ، وعدم الاستمتاع ، مسحة البطالة ، وانعدام المحبة .. فانتصرتُ . لكن الدنيا تأتيك من حيث لا تحتسب .. * قال لنا أبو نعمّان ، الشيخ المعلم في مكتب عنبر : أنتم في المرحلة الختامية ، وستسلكون طرقا متشعبة ووعرة ، من الآن فصاعدا عليكم أن تعرفوا كيف تتعلموا .. أصحح له : تقصد أن نعرف كيف نعّلم يا سيدي ؟ فيرد بجدية : أنا أقصد ما أقول يا بني ، لا أعلمكم لتصيروا معلمين في كتاتيب القرى .. ( خلّوا هالشغلة لغيركم ) . كنت أخا لخمس بنات ، هذا ما منحني الحظوة عند والدي للاستئثار بتحويشة عمره ، وأتعلم ، والآن يأتي هذا الشيخ ليقول لي : إن عليّ أن أتعلم ! من حقكم أن تعرفوا أني درست في مكتب عنبر في الشام ، وأجيد العربية والتركية ، وتعلّمت الإنجليزية ( على كبر ) ، غيرة من زملائي الذين كنت أتفوّق عليهم في مكتب عنبر ، وأكملوا تعليمهم في الجامعات . ( عذرا لهذا التبجح ، فأنا لست ضعيفا بحق نفسي ) . أبي - له الرحمة ، ولسوق عمّان الدوام والازدهار - كان يعمل في قطاع النقل : عمل عتّالا في السوق ، ثم صار حمّارا ، ثم جمّالا .. أي أنه طوّر عمله بنجاح ، وهذا ما أهّله لينفق على تعليمي في الشام . أحبّ والدي السوق ، لكنه لم يرغب لي أن أدخله من حيث خرج ، فدفع بي إلى عزّات الرجّال في الشام ليعلمني فن التجارة ، فتعلمت منه تدوين الحسابات بسرعة وإتقان ، فأعجب بي الرجل ، ورفع عن كاهلي صفة صبيْ الدكان ، ثم زوجني ابنته شمس ، وأراد أن يستبقيني إلى جانبه ، لكن شيئا ما في داخلي كان يدفعني إلى طريقي الخاص . أربكني السوق ، واحتجت وقتا للإمساك بخشبة التوازن جيدا ، كل ما تعلمته عند عمي عزات ، بدا لي خداجا لا يصمد أمام الهزات ، فما بالك باللكمات والطعنات ! لكن السوق خير معلم ، نعم يا شيخنا أبا نعمان ، إنك لا تتعلم إلا حين تصير معلما . * مال والبنون زينة الحياة الدنيا ، الله الوهاب ، لا اله إلا هو ، بعد انقطاع تعمدته طيلة ثماني سنوات ( أصغر بناتي كلثوم مواليد 1929 م ، نحن الآن في العام 1937م ) اليوم صباحا تخبرني سلمى بفرح وصفاقة ، أن أمها حامل ! .. كنت سأصرخ على سلمى وأؤنبها ، ثم ما شأنها وهذه الأمور ؟ المفروض أن تخبرني زوجتي لا ابنتي بهذا الخبر ! لكن سلمى صعبة المراس هذه الأيام ، ولم أشأ أن أدخل معها في شجار . بلعت غيظي ، وقلت مناكفا : الله يجيب العواقب سليمة .. شمس تستاهل كل خير . كنت اسمع حفيف روب شمس وهي تتنقل بين غرفة النوم والمطبخ والحمام ، لكني احترمت رغبتها في عدم الظهور أمامي .. انتابني شيء من تأنيب الضمير حيال شمس تلك اللحظة .. لو ظهرت للاطفتها.. لكني لا أحب أن أفرض حضوري حتى على زوجتي . التقطت سلمى السبّاط ، وتناولت خرقة ، وراحت تمسحه بهمة وتقول : ولد إن شاء الله ولـد .. ولد ، طبعا لازم يكون ولد .. رفعت يدي لأوقف رغبتها بالثرثرة ، دسيت قدمي بالقبقاب ودخلت إلى الحمام أقرع البلاط بغيظ ، راغبا في إيقاظ كل من في المنزل . ولد ولا بنت لا فرق ، من زمان حسمت أمري ورضيت بقسمة ربي ، في الحقيقة لم يكن الحديث عن هذا الأمر بهذه السهولة التي أتحدث بها الآن ، فقد استغرقني القبول بالأمر الواقع زمنا طويلا ، واستهلك من أعصابي وراحة بالي الكثير ، وكلفني ما لا أرغب به من التلعثم حين أسأل : أبو مين حضرتك ..؟ شو اسم المحروس الله يخليه ؟ .. لم أرغب بالألقاب التي يتزلف بها زبائني إلي ، مثل أبو القاسم ، أو أبو علي .. يا أخي قول الشهبندر وخلص . يعجبني هذا اللقب . ذات صباح طري بعد أن رزقت بالبنت الرابعة : ليلى ، قررت لنفسي ، وأعلنت لزبائني أني أبو سلمى ، واللي مش عاجبه يشرب البحر .. كانت شمس ترغب بتسمية البنت الرابعة : ( كفى ) ؛ مع شيء من الرجاء بتغيير الحظ ، ولكنه اسم يأتي منسجما مع إيقاع الأسماء : سلمى ، ندى ، هدى .. فاقترحت أن نسميها الترفة ، على اسم والدتي ، ضحكت شمس ، وقالت نسميها ( رابعة ) .. لكنها سُجّلت باسم : ليلى ، وتركت لشمس – مماحكا - أن تقرر اسم المولودة القادمة . بعد البنت الرابعة ، صارت خلفة البنات موقفا أدافع عنه وأتباهى به ، لما وُلدت الخـامسة : كلثوم ، أولمت ، ثم اصطحبت شمس والمولودة الجديدة إلى رام الله .. كان أسبوع عسل بحق . الآن ، حقا هذا هو موقفي النابع من أعماقي ، ولد ولاّ بنت مش فارقة ، حتى وإن رزقت بولد فسأظل أكني نفسي : أبو سلمى . بناتي لم يخيبن أملي .. إذا سلمى ركبت رأسها وبلشت تساعدني بشغلي ، فأخواتها يتلهفن للسفر لو لآخر الدنيا حتى يكملن تعليمهن .. الله يرزقهن بأولاد الحلال ، ويجعل التمام على خير . سلمــــى أنا سلمى على سن الرمح ، ابنة الشهبندر الكبرى ، أول من ركبت الأتومبيل في شوارع عمّان مثيرة الغبار واللّغط ، فأمر الأمير بحجز الأتومبيل يوما وليلة ! الأفندي ابن الحكومة ملأ الصالون ثرثرة ، وزبده يتطاير حنقا لأن مزاج سمو الأمير تعكّر ، وبعد أن أنهى مديحه للفضيلة ، ومذمّته لهذا الزمن الذي لا تراعى فيه العادات والتقاليد ، وتكراره للازمته التي تسقط على لسانه رغما عنه : ( وبعدين ! ) ، بعدين .. ابتسم أبي فارتفع خداه مثل تفاحتين نحو أذنيه ، ثم ناول ابن الحكومة منديلا حريريا ( بورقته ) ، ليمسح به زبده ، ويحتفظ به .. ثم قال له بهدوء : قابلت سموه .. الأمير أحسن منّا كلّنا . همد ابن الحكومة ، والتهم حبة تمر من صحن أمامه ، وراح يمضغها على قلق ، وعيناه الصغيرتان تدوران بمحجريهما كأنما تبحثان عن شيء ما . على عكسي ، كان أبي يقوم بأعماله ببطء ، كذلك ردود أفعاله كانت بطيئة ، كان بطيئا حتى لو أن الأمر يتعلق باستنشاق الهواء . أعشق هذا الرجل .. أتحدث عن أبي طبعا ، يقولون كل فتاة بأبيها معجبة ؟ أنا مغرمة ، لا أتصور الحياة تطاق دون وجود هذا الرجل البطيء . بلا مناسبة تنادي خالتي أصغر الصبيان : عطا الله ، وتأمره أن يكون مؤدبا ! .. هي لا تريده أن يكون مؤدبا ، ولكنها تريد أن تذكرنا بامتيازهم علينا : عندهم الكبير الأهتر ، والأوسط أبو شخة ، وثالثهم أبو خنانة سايلة .. من الصعب أن أحفظ أسماءهم . ليلى - دلوعة بابا - تسمي أولاد خالتي كلهم ( عند الله ) .. وأبي ، يا وردي عليه ، بعد أن كان أخا لخمس بنات ، ها هو اليوم أب لخمس بنات .. لن نخذلك يا أبي . يبصق ابن الحكومة نواة التمر بمهارة ، وتكف عيناه الغائرتان عن الدوران ، ويمسح فمه بمنديل الحرير ، ويقول لي متملقا : ( بعدين ) ماذا سينفعك المال إذا تزوجت رجلا خائبا يا سلمى ؟ يليق بك أن تكوني طبيبة . تقول خالتي قمر : مديرة مدرستك نظمية بازان تصرّ على ذلك ، أنت متفوقة في العلوم ، واللغة الإنجليزية .. أقول لأبي باعتداد : أنا متفوقة في كل شيء ، لكن المترك ماله ؟ شهادة كويسة ! أريد أن أبقى إلى جانبك يا أبي .. ُأميل رأسي على بطنه الطرية ، يضحك مبديا أسنانه الناصعة ، أحسده عليها ؛ أسناني تشبه أسنان أمي : صغيرة ومتباعدة قليلا ، وتميل إلى الصفرة .. يضع يده على كتفي : تسافرين إلى بيروت وتدرسين في الجامعة الامريكية ، إذا مش عاجبك الطب ؛ نشوف اللي يعجبك .. يسأل قاسم أفندي : شو رأيك يا أم سلمى ؟ ترد أمي : اللي عقله براسه يعرف خلاصه . يضحك أبى مداعبا أمي : ماذا قررت الشمس ؟! تستنجد أمي بخالتي ، وتقول : شو راي القمر ؟ تمتمت خالتي : ما حدا يعرف درب السعادة وين ! أمي تفهمني جيدا ، أبي يظن أن ما أقوله دلع بنات ! لماذا تتدخل الخالة ، وابن الحكومة ، وأم سلمى ، ونظمية بازان فيما أريد ولا أريد ؟! .. لم أقل لأبي ما أفكر به مباشرة ، إنه لا يصدق أني اخترت أن أكون إلى جانبه ! حسمت أمري ، وقلت لنفسي بلا تردد : أختار المال والأعمال .. وقمت أعدّ القهوة للخالة وزوجها . فحص الدراسة الثانوية الأردنية لعام 1936-1937 الفاحصون : محمد بك الشريقي ، السيد محمد أديب ، السيد صبحي زيد [ علم التوحيد ] 2 تموز 1937/ الثالثة بعد الظهر . الزمن ثلاث ساعات أجيبوا عن ثلاث أسئلة على أن يكون السؤال الأخير منها . س 1 : ما هي أقسام المعلوم ؟ لماذا ُجعل “المستحيل ” قسما من أقسام المعلوم ؟ س 2 : ما هي أحسن الطرق لإثبات وجود الخالق عز وجل ؟ هل تُعين العلوم الطبيعية على تثبيت الإيمان بالله أم لا ، ولماذا ؟ أورد ما تعرف من الآيات القرآنية ( أو أجزائها ) التي تشير إلى استنباط وجود الله عز وجل من الظاهرات الطبيعة . س 3 : لماذا تجب الوحدانية لواجب الوجود ؟ س 4 : اشرحي/ اشرح : معنى الوحي لغة وشرعا . س 5 : هل يتسامح الإسلام مع باقي الأديان ؟ أثبتي/ أثبت ذلك . س 6 : لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم ؟.. قدمي / قدم اجتهادك . اسمي ندى سألنا أبي كيف أجبتما على السؤال الأخير في فحص التوحيد ؟ قالت هدى : هناك من يقول إن الابتعاد عن جوهر الدين هو السبب ، وهناك من يقول إن نظام السوق القائم على ( المحتسب ) حدّ من تطور اقتصاد الدولة الإسلامية . قلت : إن جوهر الإسلام قائم على الوحدة والتجديد ، وعكس ذلك يعيق التقدم . وأسهبت في الإجابة وتعداد النقاط التي ركزت عليها حسب اجتهادي ، وذكرت أشياء لم تخطر على بالي وأنا أدون رأيي في دفتر الأجوبة .. كنت أتحدث بحماس لأحسم المنافسة بيني وبين هدى على كسب استحسان والدي .. فرَد ذراعيه على أكتافنا ، وقال : بارك الله فيكما . لكن ذهني كان شاردا عند تلك الأفكار التي قلتها لوالدي ، ولم تخطر على بالي وقت الامتحان ، فصارحت أبي بقلقي .. تبسمت هدى بمكر ، وشعور بالتفوق . لكن أبي حافظ على عدم انحيازه ، وقال : المهم أن تكون الإجابة متماسكة ، والاجتهاد مقنعا ، فهناك ما لا يحصى من الأفكار ؛ إذا لم تمتحنها التجربة الحية تظل محض تصورات . قالت هدى : لو وجّه لك هذا السؤال ؛ بماذا كنت ستجيب يا أبي ؟ قال : الشجر . ظننته يسخر منا ، أو أنني لم أسمع جيدا ، هتفت ماذا ؟ قال مؤكدا : الشجر يا ندى .. قبل النفط كان الخشب مصدر الطاقة .. كثافة الغابات ، وضخامة الأشجار، وغزارة الأنهار التي توصل الأخشاب للموانئ ؛ أتاحت للأوروبيين بناء سفن ضخمة ، ومكنتهم من السيطرة على البحار وثرواتها ، ووفرت لهم الوقود اللازم لتسيير القطارات والسفن والمصانع .. وإلاّ ما الذي جعل من هولندا ؛ تلك الدولة الصغيرة المقتطعة من البحر أن تصير قوة مستعمِرة ! الأشجار التي نفتقر إليها هي التي أوصلت كولمبوس إلى أمريكا . ( .. بدا لي ما كتبته في دفتر الإجابة لغو ، وكلام معاد .. من أين يستنبط أبي الأفكار الجديدة ؟ ) ظهرت نتائج فحص الثانوية العامة وكنتُ من الأوائل .. تحديدا كنت في المرتبة الثالثة على مستوى الإمارة . * أنا ثالثة بنات الشهبندر .. لست متأكدة أني الثالثة ، فأنا وهدى توأمان ، لكن أمي اقترحت أني الثالثة ، وأبي يذكر اسمي بعد اسم هدى حين يعدد أسماء بناته . كان أبي يكرر على مسامعنا ، منذ بدأت تظهر نتائجنا الباهرة في مدرسة الاعتصام ، ثم لاحقا في مدرسة الزهراء : ” يا بنات بلادنا عظيمة ، ولكن ينقصها العقول الكبيرة .. لا أرغب أن أورثكن مالا .. سأعلمكن ما استطعتن إلى ذلك سبيلا ..” سأتعلم ما استطعت إلى ذلك سبيلا ، أنا وهدى نعد حقائبنا للسفر إلى الشام ، لا أعرف نوع الدراسة التي ستختارني ، والدي ترك لنا الخيار ، لن أخذل نفسي . والدتي تقول : هدى وندى مختلفتان عن سلمى .. أحب أن تبقيا قريبتين مني ، هدى طيبة القلب لن أرسلها إلى القدس ، ثم إن التعليم تقدم في عمّان ، سلمى درست ثلاث سنوات قي القدس لتحصل على المترك الإنجليزي ، اليوم ، البنات يحتجن إلى سنة واحدة خارج عمّان قبل الجامعة ، هدى وندى تنزلان عند أهلي بالشام ، وتتعلمًان هناك . ( .. ماذا تعرف الأمهات عن بناتهن ! ) يبتسم أبى ويداعب أمي قائلا : ما دامت الشمس قد قررت فلتكن مشيئتها . أبي وليلى - درة العقد كما كان يسميها أبي – والصغيرة كلثوم سيسافرون معنا لمدة أسبوع لترتيب أوضاعنا في الشام . علمت أن أبي سيواصل سفره مع جدي عزّات إلى حلب واسطنيول ، ثم سيسافر إلى الموصل فبغداد والبصرة ، نعرف أن أبي يعشق القطارات ، ولكن لا أحد يعرف ما يفكر به الشهبندر . .. أمي مضطرة للبقاء في البيت ، لأن سلمى ترفض السفر ، فهي لا تستطيع أن تترك المشغل في هذا الوقت من السنة : موسم افتتاح المدارس ، موسم خياطة الملابس الجديـدة ، وترميم الملابس القديمة . سلمى تقول : سافروا كلكم لا تخافوا علي .. أمي تصر على البقاء إلى جانبها : ( شو بدهن يقولوا الناس ؟ ) .. أي معارك ستقع بينهما في غياب أبي ؟ * أمي متعلمة تعليما أولياً ، كانت قادرة على متابعة دراستنا في الصفوف الابتدائية ، لما كبرنا صرنا نتعالم عليها .. ولكنها لمّاحة ، وتمتلك ذكاء فطرياً أهَلها لتتجاوز المنعطفات العسيرة في مسيرة أسرتنا .. ( الشمس دائما قادرة أن تقرر ) ، هكذا كنا نناكفها أسوة بأبي . بضحكتها النابعة دائما من القلب ، وإيماءاتها الذكية ، وتعليقاتها الخاطفة ، وبالأمثال الشعبية التي تطلقها بلا تكلّف وحسب واقع الحال ؛ كانت تحيل مشاكلنا وهمومنا إلى فقاعات صابون سرعان ما تزول .. أمي تؤمن إيماناً فطرياً راسخاً أن البشاشة سر السعادة ، تتصرف على أساس أن للبشر أدوارا عليهم أن يؤدوها ، وأقدارا ينبغي أن لا يعاندوها ليعيشوا سعداء .. كانت أمي تتحدث بجمل قصيرة .. حتى القصص التي ترويها الأمهات لبناتهن لم تكن تميل إلى سردها ، السرد والجمل الرنانة ، والتوجيهات السامية كانت من اختصاص أبي . لقد كانت سعيدة بنا وكنّا سعداء بها .. إلا أن سلمى صارت تناكفها كثيرا هذه الأيام ، وأحيانا تسخر منها .. ! * يصطفلوا .. أنا مسافرة غدا صباحا .. سأطلب العلم ولو في الصين . - سنحصل على أعلى درجة علمية يمكن أن يحصل عليها الرجال ، أليس كذلك يا هدى ؟ .. لن أٌثقل عليكم ، باي . الشهبندر كان دفتر الحسابات مرآة حياتي ، ورفيق سعادتي وشقائي ، فقد كنت أبدأ به صباحي ( يا فتاح يا عليم . يا رزاق يا كريم ) ، وأنهي معه يوم عملي ، فأغلقه متمتما : ” لا تكن للعيش مكلوم الفؤاد إنما الرزق على رب العباد ” .. مدركاً أن ضيق العيش يكلم الفؤاد ، وأن ربّ العباد لا يمنحنا ذهبا ولا فضة ، وإنما يحضّنا على العمل ، ولكن لابدّ للحصيف من التحوط . افتتحت هذا الدفتر باسم الله في الثاني من كانون الثاني عام 1937م ، وأنا منشغل بترتيب أوضاع أسرتي في سكني الجديد على سفح جبل عمّان ، حيث تركنا بيتنا القديم في جبل القلعة - بيتنا الراقص على حافة الجبل ، كما كانت تقول سلمى وهي طفلة - وقمت بتأجيره لإلياس أفندي ، المعلم بمدرسة الصناعة . الأرض المرتفعة تبدي ما عليها أكبر من حجمه الطبيعي . حين أقف بباب الدكان ، وانظر إلى الغرب أستطيع أن أرى الجدار الشرقي لبيتي الجديد ، المبني من حجر قباطية المائل للحمرة ، وتزهو نفسي بالقرميد الأحمر وهو يرمي بظله على مربع الشباك الصغير الدّاكن للمطبخ . أرى الآن ابنتي ليلى تلمّع الحديد الأخضر لشباكيً ( المضيف ) الطويلين المتجاورين كحارسين تركيين بخوذة مشتركة .. ( الصالون حسب ما ترغب نساء عمّان بالتبجح ! ) . أكاد أصرخ بليلى : انضبي جوا يا بنت . لكن المسافة أبعد من أن توصل صوتي ، والطريق إلى البيت أكثر مشقة مما تتوقعون : طريق صاعدة بمنحنيات حادة ، مغبره في الصيف وزلقة في الشتاء .. التباهي له ثمنه . بعد صلاة العصر تهدأ حركة السوق ، ويبرد الطقس . طلبت من شهاب أن يحضر كرسي القش الصغير إلى باب الدكان ، فشمس كانون مرغوبة ، قال : مش غلط ، وأحضر الكرسي ، جلست ، وأسندت ظهري إلى شوال البن السيلاني المركون على مشط الباب .. ( قهوة اشيوخ ! .. أتساهل مع الخطأ الإملائي الذي خطّه شهاب على شوال البن ، فالعامية أقرب إلى مزاج المستهلك ) .. سارع رزق - ابن الأفندي عديلي - بإحضار طربيزة نحاسية ووضعها أمامي ، استعدادا لإحضار القهوة .. ( ثمة تواطؤ على سلوكيات معينة تنشأ بحكم العادة ، ولا نجرؤ على تغييرها ) .. لم أكن راغبا بقهوة هذا المساء ، كذلك لم أرغب بكسر العادة ، استرخيت على الكرسي وأسبلت جفوني تاركا الطقوس اليومية تسير بمساراتها المعتادة : شهاب يطوي لفات القماش ويعيدها إلى الرفوف ، سالم ينظف كفتي الميزان ، ويزيت مفاصل القبان ، ورزق الله يحضر لي فنجان قهوة عصملي ، وحبّة هال طازجة تسبح بأناقة بين سحب البخار العبق على سطح الفنجان ، ومحسن ينقل الشوالات والبراميل من على الرصيف إلى داخل المحل استعدادا للتشطيب .. فنهار الشتاء قصير . لم يحصل شيء من هذا ، فما كادت جفوني تكمل إغماضها حتى سمعت قرقعة الطربيزة النحاس ، وهي تتدحرج ، وصوت عبد الله النوري يلعلع : أنا مش عبد عندك تحبسني من الصبح للمسا على قرش ونص .. قلت لنفسي : قبل أن أفتح عينيً وأدبر الرد : انفضح السر ! الدّامـــــــر أنا دامر الجوخ المعلق على الوتد . من موقعي هذا أستطيع أن أرى ما يجري بوضوح . مدد الشهبندر ساقيه فوق الطربيزة المقلوبة دون أن يباعد ما بين جفنيه ، وبالوقت نفسه امتدت يده إلى حزامه .. ولمحت شيئا لامعا ما بين كفه وكف عبد الله ، وظل ممسكا اليد التي التقطت الليرة الذهبية لفترة من الوقت إلى أن اطمأن لهدوء الشاب ، الرؤوس التي استدارت لتتابع ما يجري سرعان ما عادت إلى مشاغلها ، الشهبندر وقف يصلح من هندامه ويجيل النظر في البضائع من حوله وكأن شيئا لم يحدث .. سارع سالم لإصلاح وضع الطربيزة ، ووقف رزق الله حائرا بصينية القهوة ، وتسمًر شهاب على منتصف السلم الخشبي حيث كان يضع لفة قماش على الرفوف العليا . قال الشهبندر: لا حول ولا قوة إلا بالله . دلف إلى مقعده داخل المحل ، وراح يقلّب دفتر حساباته تاركا عبد الله مرتبكا . كان عبد الله يتخبط في حيرته : هل يجوز أن تُحل مشكلته على الواقف ؟ هل يجلس ؟ هل يشكر ؟ هل يشتم ؟ لكن عبد الله ضم يده بقوة على العصملية ، وولّى مسرعا دون أن يقول شيئا . أخذ شهاب القهوة من رزق ، ووضعها على طاولة الشهبندر، فعرفت أن الحدبة التي يرسمها الوتد بين كتفيً لن تسوى بمكوى الفحم هذا المساء . ألفت هذا الوتد وأحببته ، وخاصمت عبد الله ، وكرهت مكواه الثقيل الذي يقصر العمر .. أتهيّب زيارته وأحسب لها ألف حساب ، وأحسب الجمرات التي سيضعها عبد الله في جوف المكوى ، وأتلوى خوفا وهو يجسّ حرارة الحديد بطرف إصبعه المبللة بلعابه ، إذا لم يكن لدى الشهبندر لقاء هام أو موعد خاص أُعفى من زيارة عبد الله ، والتلظي بجمر مكواه . سيطوي الشهبندر قماشي الداكن على ذراعه بعد أن يقلب بطانتي النارية للخارج ، ويمضي صاعدا طلعة جبل عمّان ؛ سقا الله أيام طلعة الشابسوغ ، كانت أرحم وتعرجاتها أقل . ( أنا مثلكم استمتع بالتأسي على ما فات ) . ندخل البيت ، فتتلقفني زوجته ، وتكرشني بقوة بفرشاة خشنة ، ثلاث أو أربع ضربات قوية سريعة ، ثم تصلبني على علاقة خشبية ، وتحشرني بين المزانيك والسراويل والقمصان والروائح التي تصدع الرأس ، وتغلق الخزانة ، كأن كل الملابس سواء ! الشهبندر لم تمر تلك الحادثة مرورا هينا ، لم أنم تلك الليلة : 1- زملائي في السوق لن يغمض لهم جفن قبل أن يستفسروا ، ويدققوا ويعرفوا سر ما جرى . 2- شهاب سيحاول - وبنوبات متدرًجة من التقصير - أن يحصل على ليرة مجيدية أسوة بعبد الله ، لن يقول ذلك لي مباشرة . 3- عبد الله سيعيد الكرًة ، وقد يمعن في ابتزازي . كلب ابن الكلب سأمسح به السوق ، عادة أشتري حلا للمشاكل التي تواجهني بالمال ، ولكن إذا كان المال هو المشكلة فما الحل ؟ لم أمسح به أي شيء .. نهضت باكرا ، فتحمّمتٌ ، وحلقت ذقني جيدا ، وتوضأت ، ولبست أجمل ملابسي ، وتعطرت .. وسط دهشة زوجتي وإلحاحها بالأسئلة وضعت الدامر على كتفي دون أن أدخل ذراعيً في الأكمام ، وعلى غير عادتي هبطت لأصلي الصبح في الجامع الكبير .. تمتمت شمس : هو إحنا في رمضان ؟! ثم هتفت : حلمت بالنبي .. ؟! رفعت حاجبيها المزججين عاليا ، وحنت كفها حول فمها ، وهمّت أن تزغرد ، فرفعت يدي لتصمت ، واكتفيت بالقول : عليه الصلاة والسلام . انقضت صلاة الصبح سريعا ، وتلقيت مصافحات الأتقياء ، وحواجبهم المرفوعة تساؤلا – وكأن الجامع حكر عليهم هذا الوقت - لم أشأ أن أذهب إلى دكاني قبل وصول شهاب ، فالالتزام بالتقاليد جزء من الهيبة . سترتفع حواجب كثيرة هذا اليوم ما بين : مندهشة ، ومكذبة ، ومستفسرة .. لي أن أذهب إلى عملي متأخرا عن موعدي المعتاد ، ولهم أن يذهبوا إلى العمل قبل موعدهم المعتاد ، ألم يرفعنا رب العالمين فوق بعض درجات ، توجهت إلى خزانة المصاحف في المسجد .. لكن قلبي انشرح لكتاب ” الفتوحات المكيّة ” لابن عربي .. علّ الله يفتح عليَ ! أنا نوري أصلي نوري مالكم ومالي ، مش تقولوا كل واحد يعمل بأصله ؟ أنا عملت بأصلي .. ليرة ذهب ! يظلوا أهلي يعملوا ثنايا ذهب ، ويبيعوا نكاشات ( بريموس ) ، وأبر ، وميابر ، ويشحدون شهر ما يحصلوها ، حصّلت ليرة ذهب برمشة عين ، ليرة عصملي أصلية ، بعتها للخواجا أندريا ب 87 قرش فلسطيني ، بعد ما حلفت مية يمين إني أخذتها حلال زلال من عمي الشهبندر .. كان بده يدز الصبي اللي عنده للشهبندر يسأله ، لكنه تطّلع بساعته وقال الوقت متأخر . رمى الليرة الذهب بصندوقه ، وناولني 87 قرشا ، قلت له الليرة بتسعين ، قال : امش ولد ، تسعين بيع ، أو بدل بضاعة . معه حق . مشيت أخرخش بالقروش لعند سينما البترا ، اشتريت علبة سجاير ( فايف دبل فايف ) بحالها ، وسندوش لحمة رأس ، وقطعت تذكرة فيلم ، ودخلت .. كان الصف الأول مليان ، قعدت على كرسي قش صغير بلا مسند .. وطفوا الضو . طلع على الشاشة زلمة بحجمي نحيف وقصير ، لابس كندرة كبيرة ، وبنطلون مقلّم وله شباحات مطاطية على صدره ، وعلى رأسه برنيطة عالية ومدوّرة ، حركاته تفرّط من الضحك . ظليت أزحف بالكرسي وأصفق تا صرت قدام الزلمة اللي ع الشاشة ، أجا تبع السينما شالني من قبتي وأرجعني لورا .. فجأة حط عليَ الغم ، قلت عمي الشهبندر ما رح يفوتها على خير ، الله يخزي الشيطان ، على شو ناوي لي ..؟ صرت أتذكر شو قلت بالكلمة ، وكيف قلته ، مش هون المشكلة ، المشكلة إنه هو ما قال شي ، أخو الشلن ظل ساكت ، لو شتمني أعرف انه زعل مني وشتم وخلص .. لو تبسّم ! كان عرفت انه يداريني على قد عقلي ، وبكرة ترجع الأمور زي ما كانت .. أقول لكم بصراحة : لو بزق بوجهي ، وكحشني ، كان عرفت أتصرف ، ورحت بالسر اللي مخبيه عند غيره ، يجوز لو رحت عند التاجر مجيد يعطيني ليرتين على هالخبرية ، ويشغلني عنده بقرشين يومية ، مش بقرش ونص .. امبارح كنت أفكر هيك ، وكنت بيني وبين حالي مبسوط ع البزقة والشلوت ، ومرتب أموري على هيك .. مش تقولوا عن النًور هيك وهيك ؟ هم مش هيك ، بس انتم تعاملونا هيك ، وعشان انتم هيك ، إحنا هيك ، آه إحنا هيك يا حضرة الشهبندر ، وإذا مش عاجبك ، الأسبوع الجاي رح أعيدها ، كل أسبوع أنط بباب الدكان وأدفّعك خاوة : ليرة ذهب .. ولّلا ، أنت كسبت هالسمعة غير ع ظهري يا حضرة الشهبندر ؟ قال شو .. ؟ بضاعته أحسن بضاعة : مزانيك ما فيها ولا طعجة ، تنانير ما فيها ولا نتشه ، شماغات تقف على سيفها ، طرابيش تدحل من المدرسة العسبلية لعند أوتيل انطوان نزال ما يصير عليها شي .. بحكي عن طربوش الدكتور التوتنجي اللي من الخجل راح تخبى بدكان الحلاق أبو جابر حتى جابوا له الطربوش . بس لو قلت كلمة يا عمي ، لو أعرف بأيش تفكر يا سيدي الشهبندر ..؟ نشف ريقي ! أنا المختار لا تخفى عليّ خافية ، ذهبت إلى مقهى حمدان لحضور اجتماع التجار وقت الضحى ، وأنا عارف للبير وغطاه .. ” .. الشهبندر يكوي الملابس الجاهزة التي يستوردها قبل عرضها على الزبائن ، والآن بعد أن أكل السوق وطلع صيته ، يرمي بالسر لزملائه التجار باسم الصدق ، وتحت عنوان الدَين النصيحة ! .. بل ويوكل أمر عبد الله النوري لأنكد تاجر في السوق : سليم الدقر ..” كان الشهبندر يتصدر المجلس ، ويتحدث عن حركة القطارات ، وأهميتها في تنشيط السوق ، وضرورة المطالبة بتجديدها ، وتوسيع شبكة السكك الحديدية .. الشيخ عبد الرحمن هيبة ومقداره علي ، كان يحط عبايته المقصبة على كرسي بجنبه ، ويسند خدّه الناحل إلى راحة كفّه الكبيرة ، ويستمع للجميع ، ولا يتحدث إلاّ آخرهم .. كبير ، ابن ناس كبار ، يكفيه طول قامته ، وبياض لحيته ، وأنفه الذي يشبه منقار الصقر .. تكفي نظرة من عينيه الغائرتين تحت حاجبيه مثل الشق بالفروة ؛ ليسكت من حوله .. مجرد حضوره كان يوقع المهابة في نفوس الناس . ( كان يحب مجالستي ، كنا نجلس أنا وهو كل ليلة نستعرض أحوال السوق والناس ، فلا نبقي ولا نذر .. ) أما الشهبندر ، هذا المتكرش الساهي ، كذبة وصدقناها ، لا أحد يعرفه مثلي ، محدث نعمة .. يجلس مثل البرميل ، ويضع دامره الجوخ على ركبتيه ، ويمسح عارضه الحليق بكفه التي تشبه يد ستنا زبيدة . اليوم يلبس شماغا وفوقه حطة بيضاء ، ويضع عقالا ثقيلا تشبها بالأمير .. يا للمنافق ! بدأ حديثه عن السوق دون أن يبسمل أو يدعو لمولانا الأمير ، وختم بالقول : لا أحد يسد مكان ومكانة شيخ السوق .. كبيرنا وشيخ السوق أبو عبد الرحمن ، رحمة الله عليه ، ولكن للضرورة أحكام .. طبعا لن أكتب كل ما قلته لكم في تقريري للسراي ، ولن تعرف حتى زوجتي أن جرايتي الشهرية زادت قرشا كل شهر عند حضرة الشهبندر ، لو زادني كمان قرشين ، تصير جرايتي عنده بريزة بحالها ! على كل حال هو أحسن من غيره .. الشهبندر يفكر بقفزة جديدة ؟! سأكتب لهم حتما ما قاله عن طريق جديد للبضائع يمرّ عبر بغداد : ” قال الشهبندر .. نعم ، الطريق طويلة إلى البصرة ، ولكن أنا أضمن لكم وصول البضائع الواردة من اليابان والهند وإيران والعراق قبل أن تصل السفن التي كانت تحملها إلى موانئ المتوسط . قال سليم الدقر : على طالع الصيف نفكّر بالموضوع . قال مجيد العبكيكي : الإنجليز يرصفوا بخط حيفا - بغداد عبر الصحراء ، بدهم يمدوا خط إسفلت .. تنهد الشهبندر : يا ريتهم مدوا خط سكة حديد كان أفضل . ” التوقيع / حمزة المتوالي . مختار حي السيل ، وسوق السكّر ، وطريق المهاجرين ، ودرب الست العرجا ، وما حولها . ” الشهبندر ( علمك بعمّان قرية ) كان السيل والزراعة سنديْ عمّان لتكون ، والتجارة سندها لكي تنهض ، فمنذ كانت عمّان أيام العمونيين ثم الآشوريين ثم البطالمة علامة على ( طريق الملوك ) ، التي صار اسمها ( طريق تراجان الجديدة ) في العهد الروماني .. إلى أن صار اسمها طريق الحج السلطاني في العهد العثماني .. وعمّان تنهض بنهوض التجارة من حولها ، وتكبو بنكوص التجار عن المرور بها .. عمّان تجارة ! .. وداعا لقوافل الجمال ، ومرحى لعربات القطار . قوافل الجمال لا تنهض بمدينة ، وحركة سيارات الشحن مكلفة وغير مضمونة بدون طرق معبدة .. رسمتُ خطا جديدا للتوابل والبهارات القادمة من الهند ، وللبضائع الحديثة رخيصة الثمن القادمة من اليابان ، وشالات الكشمير والسجاد الأصفهاني ، وحرير القز ، وجلود الخز القادمة من بلاد العجم .. إضافة إلى تمور البصرة الفاخرة ، والعباءات البغدادية ( الخاشية ) التي تمر من عروة الخاتم .. ومنتجات شركة نفط العراق التي يتعاظم الطلب عليها .. تجار لبنان وفلسطين ومصر يتجهون غربا ، إنهم مبهورون بالسلع الأوربية ، إذا اتجه سوق عمّان شرقا فسيكون لنا نصيب وافر من المنافسة ، وستنهض عمّان بقوة . قمت بعقد اتفاقات ملزمة مع إدارات السكك الحديدية المختلفة ، في سوريا وتركيا والـعراق ، واتفقت مع وكلاء شحن موثوقين ، من أجل أن نستورد البضائع من الشرق عن طريق ميناء البصرة .. وأقمت شراكة مع التاجر الشهير كاظم الناصري في سوق الشورجة في بغداد من أجل أن تكون بغداد محطة تجميع ، ونقطة اتصال .. الطريق طويلة ، ولكنها قليلة المخاطر ، والبضائع تصل سالمة في عربات القطار التي لا تهزها أمواج البحر كما السفن ، ولا ترجها ظهور الجمال ، أو تخضها حركة السيارات على طرق وعرة . أعجبتني رسالة محمد عارف الحسيني حول سكة الحديد ومنافعها ، فطلبت من صديقي حامد حشيشو الذي يصدر جريدة ” شمس العدالة ” أن يخطها على رقعة ، علقتها فوق رأسي في الدكان : ” .. إن إنشاء السكة الحجازية ، ذات المنافع الجلية ، جاء أعمارا للبلاد ، وإحياء للعباد ، وخدمة للحرمين ، وتسهيلا لقاصدي الزيارتين ، وتوسيعا لدائرة التجارة الرابحة ، وتأسيسا لخطة الزراعة الناجحة ، وحفظا للأواصر السياسية الراجحة في البلاد المتسعة الشاسعة ، ونصحا لأولئك البدو المتوحشين ، ولإعداد القوة وتوطيد الأمن ، ونفعا للبلاد وللعباد .. ولتسهيل التفتيش على المعادن ، وتنشيط المناجم ، وتشجيع الزراعة وتربية المواشي ، إذ يسهل تسويقها .. ” - شطبت كلمة المتوحشين إرضاء لزبائني من البدو الرحل واستئناسا لهم - *** لم يعد لدي فائض من الوقت لزيارة لوليتا ، والتمتع بصحبة إلياس أفندي ، لمّا أتأخر في السهر متابعا سير البضائع ، كنت أدلف إلى البيت متسللا ، أستحم وأتوضأ وألحق بالفجر جماعة .. بصراحة لم أسكن في جبل عمّان إلا رغبة بالتنعم بمعطيات الحضارة : التلفون والكهرباء ، وصنبور الماء . منذ أن بنى الإنجليز الحاووز الكبير هناك ، وصارت المياه تتدفق عبر المواسير لسكان هذا الجبل ؛ قررت بناء منزلي هنا ، فقط من أجل الماء والكهرباء والتلفون ، من أجل أن يكون لي بيت به دورة مياه حديثة ، ويضاء بالكهرباء ، ويؤمن لي اتصالات ميسرة مع العالم .. أنا رجل مغرم بالماء والنور ، كنت أسافر إلى يافا أحيانا فقط للتنعم بهذه الطاقة العجيبة التي اسمها الكهرباء ، ولألتذَ بتدفق الماء على جلدي دون عناء إعداد الأباريق والطسوت وانتظار السقاء .. الماء والكهرباء زينة عمّان هذا العام ، ولوليتا روحه ، لوليتا عيد متنقل ، تحاول أن تجعل الأيام كلها أعيادا ، لم تكتف بقائمة الأعياد التي ورثتها من جنوه ، وتلك التي عاشتها في بيروت ، بل أضافت إليها أعياد أهل عمّان على اختلاف مللهم ونحلهم .. اليوم تحتفل بعيد ميلادي ، تقول أنني مواليد يرج الميزان ، لا أتفاجأ ، فالميزان قدري الذي لا أفر منه ، أنا من اخترع فكرة بيع الأقمشة الشعبية بالميزان .. هل سمعتم بهذا من قبل ؟ الميزان كان قبل الخليقة وسيبقى بعدها ، الله سبحانه وتعالى قرن الأرض التي منها خلقنا واليها نعود ، قرنها بالميزان .. أطمع بأن تتوازى كفتي ميزاني يوم العرالمزيد
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المتحمسون الاوغاد

كتبها هاشم غرايبه ، في 23 كانون الأول 2008 الساعة: 23:56 م

“المتحمسون الأوغاد” *هاشم غرايبه إلى محمد طمليه.. لما توفيت يا صديقي غصت أعمدة الصحف بالكتابة عنك، مما جعلني أحجم عن رثاءك وأنت تستحق، ولكن اعذرني؛ فلم أرغب حينها بأن ابتذل مشاعري تجاهك بترديد ما يقوله الزملاء والأصدقاء.. واليوم تغص وسائل الإعلام باستنطاق حذاء منتظر الزيدي مما سيجعل من الصعب أن تأتي الكتابة بجديد في هذا الموضوع. لكني كلما تابعت ما يقال ويكتب عن حذاء منتظري الزيدي تذكرتك أيها الصديق الغالي محمد طمليه.. وتذكرت كتابك “المتحمسون الأوغاد”. لقد كان الحذاء من مفرداتتك الأساسية، وكثيرا ما ذكرته في مقالاتك يا محمد، وأعتقد أن منتظري الزيدي كان صديقا سريا لك، ولعلي السوداني، ولأحمد حسن الزعبي.. وغيركم من الكتاب الساخرين!.. لم اقرأ، أو أشاهد شيئاً من تقارير منتظري الزيدي الصحفية قبل هذه الحادثة، لكني أميل للاعتقاد أنه مثلك، شخص ساخر بالفطرة، أراد أن يسخر من الجبن والانحطاط والتبجح بالكلمات.. منتظري الزيدي صحفي يحترم مهنته، ويعي ذاته، لكن المحتل”الديمقراطي” لم يبق في جعبته شيئا للتعبير عن رأيه، واثبات وجوده؛ إلا فردتي حذائه. في العالم يحتج الناس بمختلف الوسائل السلمية، ولطالما ضرب السياسيون بالبيض، أو البندورة، أو قوالب التورتة.. بل إن نائب الرئيس الأمريكي تلقى بالمزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

5 حزيران

كتبها هاشم غرايبه ، في 9 حزيران 2007 الساعة: 23:40 م

في ذكرى الخامس من حزيران

    *هاشم غرايبه

أذكر..

ببدر عدس. غرفتان مبنيتان من الحجر البازلتي يفتح باباهما تجاه الشرق .. ثمة مرحاض يقف وحيدا  على حافة البيدر ، وما بينهما بنّاء تقليدي يرسم مخططا لغرفتين إضافيتين على قفا علبة سجائر ماركة "ريم" .. ويشرح خطته محركا يديه في الهواء ومخططا بقدمه على الأرض لتوضيح نواياه لصاحب البيت .. تعابير وجه الرجلين صارمة أثناء النقاش ، وعاملان ينتظران نهاية النقاش يصبر نافذ.. ثمة رجل مسن يجلس هادئا في ظل شجرة الكينا .. لكنه سيعترض في النهاية على القرار الذي سيتخذه ابي .. أيا كانت نتيجة الحوار بينه وبين "المعمرجي" .. فهو جدنا. .

ودوى القصف.. فانطفأت حمرة الدحنون، وذبل الأقحوان، واصفر العشب، و"استوى العدس"..

 

في البدء قصف الرعد،

"سبحان من سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته". يهطل المطر مدراراً، ومع أول صحو، تخرج حوارة للمثلث، وبين الوديان الثلاثة (الصوا، وأبو حسن، والغربي) ينمو النبت ويتلون العيش بلون زاه لذيذ ريان.

ودوى القصف:  في الحرب الكونية الأولى دوت مدفعية الأتراك، وقصف (الطوبجي) طلائع المتطوعين الذين تجمعوا هنا للحاق بالثورة ضد الأتراك.

في الحرب العالمية الثانية دوت طائرة انجليزية فوق المثلث فلوح لها جدي بعبائته وصاح:(اهوي ع اليهود اهوي). لم تنقض طائرة الإنجليزعلى اليهود، وقصف الديناميت صخور مثلث حوارة لتمر طريق حيفا بغداد الدولية.

تلاحق بعد ذلك قصف المثلث:

قصف الجيش العراقي هناك عام 1948.

قصف الجيش السوري عام1956.

عام1967 هدرت طائرات العدو الصهيوني قليلاً ولم تقصف. لكن القصف استمر بعدها طيلة السنوات التالية للمثلث.. كان آخرها عام 1973.

 

الاثنين 5 حزيران 1967 الرياح الشرقية تثير حفنة رمل وتزحف مسرعة بين الدروب الترابية، تلم بضع أوراق يابسات ، وتنضم للجوقة أكياس فارغة ، تسير الريح الهوينا .. ثم لا تلبث أن تتسارع حركتها وترتفع إلى الأعلى زوبعة نشطة .. يفرك الولد عينيه رافضا بإصرار التخلي عن الطائرة الورقية..  كنت ولدا يطيّر طيارة ورقية.. وحافلة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

معبد الكتبا

كتبها هاشم غرايبه ، في 23 كانون الأول 2008 الساعة: 23:50 م

هاشــــم بديـــوي غرايبـــــــه أوراق معبد الكتبا رواية 2008م/ بترا رقم الإيداع لدى المكتبة الوطنية ( شكراً للوزير عادل الطويسي صاحب مشروع التفرغ الإبداعي. شكراً للجنة التفرغ الإبداعي: ا.د خالد الكركي، ا.د يوسف بكار، ا.د عزمي طه، أ.د عبد الحميد حمام. الفنان مهنا الدرة، الأستاذ عدنان مدانات، الأستاذة زليخة أبو ريشة، الفنان جميل عواد.. لقد تابعوا أعمالنا بحرص وجدية، وكان لملاحظاتهم وإرشاداتهم ومساندتهم الأثر الطيب في انجاز هذه الرواية.. شكر خاص للصديق الأستاذ الدكتور خليل الشيخ على تفضله بمراجعة مسودة هذه الرواية، شكراً له على ملاحظاته القيمة التي: - قوّمت قناة هذا النص، - وخّلصته من الحشو الزائد، - ونقّته من الأخطاء الإملائية والنحوية. شكراً لمؤسسة “بيت الأنباط”، وأهالي بلدة وادي موسى؛ الذين مهدوا لي سبل التواصل مع بترا، والإحساس بنبضها. هاشم غرايبه تقرير أنظر إلى كل شيء، وكأنني أراه لأول مرة.. تجولتُ في شوارع بترا. وسرتُ في الهواء مثل المجاذيب.. كانت الصخور، والسراديب، والمعابد، والقصور، والأسواق، وبيوت الأنباط تنفتح أمامي وتنغلق خلفي كما في الأحلام.. وكانت شمس الظهيرة ساطعة تجعل اللون، لون المدينة الوردي مشعشعاً.. وقفت عند نساء يقرفصن وسلالهن في أحضانهن، ويبعن الأعشاب الطبية، وبلسم الجروح، وتعاويذ للعيون الشريرة.. وكان تلاميذ دار الكُتَبَا يهرعون إلى الشارع صاخبين. والبتراويون عائدين إلى بيوتهم على دوابهم البريئة التي تسير ببطء وجلال. لقد ظلت دوابهم تلتفت، وترمقني بعيون أليفة، وكأنها تعرفني. كان التجّار والحرفيون يغلقون محلاتهم للاستمتاع بقيلولة الظهيرة.. وعند نهاية السوق يقف اثنان من العسس على باب المحكمة، تميزهما ريشة نعام فوق الجبهة، ورمح طويل مضموم إلى جانب القامة. وكان الغرباء، ورجال القوافل يتجهون إلى نزل زهر الرمان ليشربوا النبيذ، وليتحدثوا بمتعة عن صفقاتهم الرابحة، ويتشاجروا بصخب حول صفقاتهم التي لم تتم.. وهناك ثلة من العجائز جلسن في الظلّ على عتبة بيت متباهٍ برتاجه الصّواني الصقيل، كنّ يغزلن الصوف بمغازل خشبية صغيرة ويثرثرن.. وكان جرو مرقط يربض على العتبة، وينظر إليّ مرتاباً! نبح الجرو فتعثرت بخيط صوف وأنا أعبر الزقاق من عندهن قاصداً “الصّرح العظيم”، ولكنهن لم يأبهن لذلك، ولم يفقدن متعتهن في لفّ الخيوط، وتنقيتها من الشوائب. والتفرّج على الطريق والناس والدواب الخارجة من سوق بترا بعد أن أنجزت مهامها الصباحية. كان العمّال قد أنهوا فترتهم الصباحية، وينزلون متعربشين بالحبال عن واجهة الصّخر الوردي، وينفضون نثار النحت عن ثيابهم القصيرة الترابية اللون.. وقريباً منهم جلس شيوخٌ متصالبي السيقان على الأرض يطقون الحصى: مسابح، ونرد، ومنقلة، وسيجة، وغمغمات وقهقهات.. وكان أصغرهم ذا لحية رمادية يخشخش بالحصى، ويتحدث بلباقة.. وقع عليه ظلّي، فنظر إليّ وابتسم، وعرض علي قراءة طالعي، فبسطت له كفي.. سأل: أنت الكُتَبَا؟ صححت له: تقصد الكاتب؟.. فرمى عليّ رزمة محفوظة بجلد مترب اللون.. تلقفتها على راحتي، وسألته: أنت!.. من تكون؟ فثارت زوبعة غبار عالية حالت بيني وبين العرّاف.. فركت عينيّ، وبصقت التراب من فمي، فاختفت الزوبعة، واختفى العرّاف، والشيوخ، والحصى، وغابت قافلتي بحمولتها الثمينة من أمام معبد ذوالشرى.. وبقي الجلد المترب حائراً بين يدي! تأبطتُ الرزمة، وسرتُ مستغرقاً في تفكيري. توقفت من حينٍ لآخر، ونظرت إلى السماء، وأصغيت بانتباه، وكأنني أتوقع شخصاً ما يكلمني، أو شيخاً يدعي أن حزمة الرقاع ملكه، لكني لم أسمع شيئاً عدا الجلبة الناعمة للمدينة في ساعة قيلولتها.. وحمار ينهق بعيداً في بيضا.. رحت أصعد درج المطهر، وأعدّ الدرجات.. كلما أقطع خمسين درجة أتوقف لأستريح، وبعد أن أتنهد في كل مرة؛ تميل الشمس إلى الغرب قليلاً؛ وأتابع الصعود.. وصلت المطهر، لا أدري لماذا تسمونه المذبح! جلست في ظلّ الصخرة المقدسة، وأسندت ظهري إلى جذع شجرةٍ مقصوص، وغفتْ عيني طويلا.. رأيت فيما يرى النائم: آلاتٍ عجيبة، وكمراتٍ لامعة، ورافعاتٍ ثقيلة. ورأيت حميراً وخيلاً وإبلا، ورأيت شباباً سمر الوجوه، رشيقي الأجساد، خفيفي الحركة؛ يعرضون مطاياهم ببراعة على سائحين حمر الوجوه، يلفّون رؤوسهم بقمصان مزركشة، أو يغطون قرعاتهم بقبعات مختلفة الأشكال والأحجام. ورأيت بنتاً تُطلّ ذوائبها المصفرة المجعّدة من تحت أطراف منديلها الحائل اللون، الملفوف بإحكام حول وجهها الملوّح بحرّ الشمس.. كانت تبيع قافلة جِمالٍ داخل قنينة رمل ملّون لسائحة عجوز.. وفجأة، ك”فجأة” الأحداث الكبيرة، ارتفع لغط المتجمهرين حول كمرات التلفزة أمام الخزنة، وارتفعت الأصوات: “فازت بترا.. فازت بترا”، فاختلطت عليّ الأصوات والمشاعر.. “فازت بترا عجيبة من عجائب الدنيا”! .. ماذا يعني هذا؟! استمرّ القصف، والغناء، وإطلاق الألعاب النارية، والصفير، والتزمير، والتطبيل، يتصاعد؛ وأنا أغرق في حيرة الحالم، وأتساءل: في أي زمان حدث هذا! لمّا انفضّ أحفاد الأنباط المحتفون بفوز بترا، وتفرّقت فرق السائحين على الفنادق الباذخة، وتلاشت الهتافات، والألعاب النارية، وزوامير السيارات.. استيقظت! استيقظت؛ فوجدت الجلد المترب مفتوحاً أمامي على حروف تضيء، وتغمز لي كالنجوم.. رُحت أتهجّاها بحرصٍ شديد: أ و ر ا ق د ا ر ا ل ك ت ب ا.. صرتُ أقلّب الرقاع المتربة، وهي تتوهج أمام ناظريّ صفحة إثر صفحة، حتى بدا نور الفجر الشفيف يطغى على وميضها، وما لبثت الرقاع إلا قليلا، وصارت تتفتتّ بين يديّ، وتذوب مع ندى الصبح ورقةً إثر ورقة.. حتى تلاشت كلّها.. نهضتُ متحيراً، وهبطتُ الثمانمائة درجة، وذهني شاردٌ فيما قرأت، ومشيتُ عبر السيق ذاهباً إلى نزل زهر الرمان، ووميض الحروف والكلمات لا يفارقني.. عَبَقَ الجوّ برائحة التراب المبلل بالندى. وكانت الغيمات تذوب رذاذاً جميلا، وضاعت الدروب أمام خطواتي.. مشيت حتى تفتق نعلاي اللذان اشتريتهما بتسعين طالن من سوق الدبّاغين صباح أمس! أخيراً وصلتُ حجرتي المتواضعة منهكاً.. ونمت. فرأيت فيما يرى النائم “كمبيوتر” مفتوحاً بجانب سريري على حروف تضيء، وتغمزُ لي كالنجوم.. رحت أتهجّاها بفرحٍ غامر، وأقرأ: “أوراق معبد الكُتَبَا” الآن، هنا.. لا أدري من منا نحن الاثنين، يكتب هذه الرواية؟! *هاشم غرايبه بترا/ الخميس/26/6/2008 الفصل الأول متاهة الكتبي سفيان الخريف يطلق نبضه في الأشياء. تهبُّ رياح آخر الخريف مثيرةً الزوابع والإشاعات في شعاب بترا.. حتى سفري المفاجئ لم يسلم من رياح الشائعات. كان المير ربايل يهزّ إصبع السبابة في وجه جمهورٍ غائب، ويلعن “التطيرات” المثبطة للهمم حول سنة النجم الثاقب، وانهيار الممالك، ويفنّد الشائعات الكاذبة عن النضوب المفاجئ لنبع مروة، وعن طبيب كنعاني يجعل الأعمى بصيرا، وقصةٍ يتناقلها العامة عن تلحمية ولدت صبياً كامل الأسنان وهي في الثمانين من عمرها! وحكاية عن قافلةٍ في الشمال سُخِطَتْ إلى هياكل حجرية بكل حمولتها.. رياح الخريف تحمل لنا أصوات النقاشين المهرة الذين يتسلقون الصخرة المقابلة للسيق العميق، فيما فؤوسهم الصغيرة تواصل نقش الرسومات على واجهة “الصّرح العظيم”، وينشدون: “في قلب الصخر البارد ثمة نار غافية”.. يرد عليهم الخزّافون الذين يستعجلون ربط قنوات الماء قبل حلول الشتاء: “في جوف الصوان القاسي ثمة مياه رقراقة”.. * شجرة التين في باحة الدار تلقي بورقها على الأرض، فيعبق الجو برائحتها الأنثوية.. لا أدري لماذا رائحة التين أنثوية، دائماً تذكرني بأنثى غائبة.. كنت منشغلاً بتلك الورقة بالذات. ورقة التين الصفراء.. لماذا يقال عادة إنها ميتة!.. لقد آن أوان سقوطها فاصفّرت. لكن روحها ما زالت تنبض. إنها تعبث بالريح، وتسيّرها على هوى رقصتها.. إنها تريد أن تقول شيئاً وهي تعلو وتهبط وتدور على نفسها.. قلت: “ما أجملها!”.. تبسّم المير، وقال: الشائعات؟ ابتسمتُ أيضاً، وأشرت إلى ورقة التين عند الزاوية الشرقية الشمالية من فناء بيتي. لكننا لم نستطع أن نهرب من اختلاط المشاعر والأفكار. رشف المير رشفة من شراب الزنجبيل الساخن المحلّى بالعسل، وقال: سفيان، أتمنى لك التوفيق. قلت: لست أول من يذهب إلى هناك. ردّ المير بشيء من المجاملة: ولن تكون الأخير. كنت أفضّل أن تتم الأمور بهدوء.. أقصد: الوداع الحار يشعرني أني ذاهب إلى غير رجعة. ربما نقلت إلى المير عدوى توتري الداخلي. وقفَ، ومشى إلى زاوية الشرفة التي نجلس عليها. سرّح نظره في درب اللبن الصاعد إلى سروة، وقال: لا تبخس نفسك يا عزيزي، ستنجح في مهمتك، وتعود غانماً يا سفيان.. لا أشك أبداً أنك تستطيع أن تفعل ذلك. بماذا أجيب؟.. قلت: لا أعرف أي بشرٍ سيكونون إلى جانبي هناك. قال مشجعاً: الناس موجودون في كل مكان. المهم أن تجد نفسك بسهولة بينهم. أحسُّ في داخلي شيئاً ثقيلاً، فعندي حفيدٌ أسعد بمناغاته. وحفيدة يفرحني تلبية طلباتها، ولديّ كتابٌ أرغب في إنجازه. وولدٌ أعدّه ليكون رجل سلامٍ ومنطق، وكنّة أستمتع بالحوار معها. و.. سمعنا صوت كلاوبا يوقف العربة أمام البيت. عندها تحدثنا جميعاً بكلمات متداخلة بلا وزن تقال عادة عند الوداع: عن ضرورة أن ينام حفيدي فينان باكراً.. وأن تجمع اليسار أوراقي بحرص.. وأن يتابع نسرو عمل الوراقين باهتمام.. وحدها حفيدتي بترا ظلت في الردهة الخارجية تراقب سرب النمل الساري بين بلاطتين بصمتٍ حزين، دون أن تبعد خصلة الشعر المنسدلة على وجهها. أخيرا انتهى الوداع، ونهر كلاوبا الخيل لتقود العربة إلى باب السيق، حيث تنتظرنا القافلة. ” يا صاحب الناقة المباركة. بك اهتديت، وبربك آمنت. فسهّل سفري، ويسّر لي أمري..” * حين غادرت بهو الملك الحارث دامت هيبته، وعلا نجمه؛ قبل عشرة أيام كان الاتفاق قد تم.. وحُددت لي ثلاثة مواعيد لاحقة مع: رئيس العسس، وشيخ السوق، والربة أترعتا كاهنة معبد ذوالشرى، قدّس سرّها.. ضعفي يكمن في إخلاصي للعمل. فأية مهمة جديدة تحرّض عقلي كثيراً، وتغيّر كل شيء فيّ، وتحفزني للعمل بحماسٍ ومثابرة.. وأي خطأ مهما كان صغيراً يسبب لي حالة عصبية أتغلب عليها بصعوبة، لكن هذه الصفات بالذات هي وسيلتي للتقدم في العمل، وهي الرابطة الخفية التي تشدني إلى الحارث، وتشدّ الحارث إلي. هذه المرة.. لمّا استدعاني الملك الحارث، دامت هيبته، وعلا نجمه، عرض عليّ بعد أسئلة طويلة أن أسافر.. لم أعرف كيف أتصرف، وكيف أجيبه على هذا الطلب. بقيتُ صامتاً أستمع لوجيب قلبي، وفجأة سمعت الملك يقول: الأمر لن يستغرق فترة طويلة يا سفيان، وتستطيع بعدها أن تعود لتتابع تدوين منجزاتنا العظيمة. - أنت تعرف أني.. ولكن.. لم يطاوعني لساني أن أضيف كلمة واحدة، ارتسمت في ذهني صور المصلوبين على تلال أور سالم، واسترجعت رغماً عني قصصاً يرويها المسافرون عن ظلم هيرود انتباس، وشعرت بحلقي يابساً، ومرّت في ذهني حكاية عن رجالٍ تاهوا في الصحراء، وهم على بعد فرسخٍ واحدٍ عن بلدتهم.. أردت أن أعتذر، لكني وجدت نفسي أسأل مليكي بوقاحة: هل أنت على ثقة أن الأمر لن يستغرق وقتاً طويلا ؟ قال: بالتأكيد.. وأضاف الحارث بلهجة حازمة: لسنا قادرين على الانتظار. الأمر يتوقف عليك يا سفيان. - بالتأكيد. سأفكّر في الأمر يا مولاي. - يجب أن تكون مستعداً خلال بضعة أيام.. ثم أريد أن أطمئنك. لن تكون وحدك هناك. توقف ذهني تماماً عند “بضعة أيام”.. أريد شهراً على الأقل كي أستعد.. خزانة معبد الكُتَبَا من سيقوم على أمرها.. الأوراق التي بين يدي كيف أستطيع أن أتركها سائبة.. سجلات العاملين في نقش واجهة الصّرح العظيم، ومد قنوات الصرف من سينظمها.. فكّرت بهذه الأشياء، وفكّرت بحفيدتي بترا ومتعة التجوال معها عند المساء في أسواق بترا، فأشتري لها حلوى القصب من دكان أبي رمّاح، وأبتاع لها خيطاناً ملونة لتجدل به شعرها الأسود من عند فاطمات.. قلت للملك: ألا ننتظر اكتمال القمر؟ لا أعرف كيف انزلقت من بين شفتيّ هذه الكلمات، لو أنني لم أقلها لتركت لنفسي حرية أوسع للاستعداد، لكن بهذه الطريقة ألزمت نفسي بكل شيء. وغصّت في حلقي عاداتي كلّها: صيد الأيائل في جبال الشراة، الاستحمام بضوء القمر في وادي رم. الجولة الصباحية مع المعماري أنعم نتفقد واجهة الصّرح، وأنابيب الفخار، وقنوات الصرف. مفاجأة ابني نسرو في عمله، وهو يراجع ما خطّه الوراقون في ردهات معبد الكُتَبَا، مناغاة حفيدي فينان في مساء ماطر.. إن مجرد التفكير في ذلك يترك في النفس حسرة لا أستطيع أن أكتمها. مع بزوغ الشعرى في الأفق الغربي قرع حادي القافلة طاسهُ النحاسية. رغت الإبل، وارتفعت جلبة المسافرين، وضجت أصوات الساقة والقطاريز: هج هو. هج هو. هوه هوه.. * مشينا ليلة ونصف يوم. شمس منتصف النهار تسطع بقوة. كل شيء هادئ. حتى طيور وادي اليمام كفت عن التغريد في هذا الحر القاسي. اجتزنا التعرجات الشمالية الصعبة. وتنفسنا الصعداء. ترجّل كلاوبا عن بغلته وراح يشدّ المَرَسَ حول بطن جملنا صهيب لأن حمله تزعزع أثناء صعود منعرجات وادي اليمام. قاد دابته حتى صار بموازاتي. ركل كتلة روث جافة عن الطريق الرملي وسألني: في أي يوم نحن؟ أجبته بنزق على السؤال ذاته للمرة الثالثة هذا النهار: نحن في يوم “ربعو” الخامس عشر لقمر أصفر. في العام ثلاثمئة وثمانية وعشرين نبطي، في السنة السابعة والسبعين وسبعمئة روماني . وهو العام السادس والثلاثون من حكم الحارث الرابع المحب لشعبه، دامت هيبته وعلا نجمه.. كلاوبا طُمْ.. وانا مالي.. هذا الأشهب فقد عقله. قبل قليل كان عاقلاً، ما باله صار يرطن مثل حبشيٍ سُرقت ركوبته.. مالي وراحم عمهو . “بدي كروتي”. اليوم هو اكتمال القمر، يعني اليوم يدفع السادة أجور الذين يعملون معهم. الأهبل يظنني لا أعرف ماهو اليوم، ويرطن بأرقام عجيبة لا أدري كيف يحفظها.. أريد من هذا الثمودي أن يدفع “كروتي” في موعدها. لا أريده أن يتعود تأخيرها.. طُمْ.. وإذا كان المير ربايل صديقك؟.. وإذا كان اسمك سفيان الكُتَبَي!.. طُمْ. الحق حق.. أرجو أن لا يكون هذا الثمودي عرف بالصرّة التي منحتني إياها السيدة سولار لمّا ألحقتني بخدمته! طُمْ، حتى لو عرف.. هذا شيء، وهذا شيء.. ما علينا. سيدفع. إن لم يفهم بالإشارة سأكلمه بالنبطي: سيدي عليك أن تدفع لي ثلاث قطع ذهبية، أوخمسة عشر سلعن، أجرة الأيام الخمسة عشر التي قضيتها في خدمتك.. سيقول لي: لم تكمل شهراً بعد.. وعندما يكتمل الشهر سيقول: الناس تدفع يوم اكتمال القمر! منذ وعيت الدنيا وأنا أخدم السادة في بترا. أعرفهم جيداً الشايفين حالهم.. في الحقيقة لم أقل شيئاً يا ديالا. سرتُ أقود بغلتي بمحاذاة فرسه، وأنا متأهب لتلبية ما يمكن أن يطلبه مني.. لمّا أعود سأحدثكِ بكلّ شيء.. سأمتطي دابتي الآن وأذهب لأحضر له شربة ماء باردة من عينٍ ضحلة أعرفها هنا. الماء الذي معنا يكفينا ليومين قادمين. ولكن شرب الماء القراح غير.. أوه يا ديالا.. لو أنني استطيع أن أكون معك نتسابق من أجل الصعود إلى شجرة المطهر!.. لو أننا نلعب في خرائب قصر صالح.. آخر مرة التقينا كان الوقت قبل العشاء بقليل. هبطت العتمة، وواصلنا اللعب. ازداد الظلام ولم نعد نستطيع تمييز الكرة، لكننا لم نرغب في التوقف. ثم اضطررنا لذلك.. أطلّتْ والدتك السيدة سولار من عند زاوية زقاق الخزافين، وطلبت منك أن تتوجهي إلى الدار.. “ديالا هلمي إلى الدار. غابت الشمس. هيا اغسلي قدميك. وتعالي لنحضّر العشاء.” هتفت أمك، قلت لها ” هل عاد أبي؟” قالت السيدة سولار بصوت منخفض: ومتى كان أبوك يعود باكراً.. هلمي إلى الدار يا عفريته. قلت: تعالي نجلس على جذع الشجرة المقصوص.. قلت: لكن أمي تنتظرني. ظهر والدك أنعم حاملاً سلّة بيمينه. تركتني وركضت إلى السلة. طوقك أبوك بذراعه الحرة. ضحك أنعم: “أهلا يا غالية..” أخرجتِ حبة تين مجففة، ورميتِها إليّ، فلقفتها بمهارة.. قال أنعم: “أما زلتما تلعبان. لقد غابت الشمس..” ثم تناول كمشة زبيب من السلة، وناولها لي قائلا: “كلاوبا، لقد كبرت على اللعب بكرة الجمل يا كلاوبا”!.. قلت له: وكبرت على كمشة الزبيب أيضاً.. السيدة جميلات كانت تقول عندما أصنع من تفل العنب وعراميطه قافلة وبضائع: “لقد كبرت على هذا يا ولد..” والقاضي يقول عندما أضحك بصوت مرتفع: “هذا لا يليق بك يا ولد. صار عمرك سبعة عشر ربيعاً”.. ربيعاً أم صيفاً.. طُمْ. لا أفهم كيف كبرت وما زلت ولدا.. ! أحاول أن أروي ما حصل بصدق.. لكن الصدق لا يضحك.. قلت إنك تحبينني لأنني أضحك من كل شيء، وأرى كل ما يقوم به الناس مدعاة للضحك.. لكنهم يقولون إني كبرت. ماذا يعني هذا؟ طم.. أريد أن أقول لك أنني عدت ذاك المساء إلى بيت المرقّش في بيضا.. عدوت في الشارع، وانعطفت إلى التلة التي ترقد عليها بيوت المترفين، وكدت أسقط، لا أدري ما الذي جعلني أعدو هكذا. أغلب الظن إنني كنت أرغب في العدو وحسب. كان الباب مفتوحاً، ورائحة القرع المطبوخ تفوح في الرواق.. كانت الخالة زُلَف ْتعدّ العشاء. والقاضي المرقّش يجلس على حافة سريره يتدلى على جسمه ثوب مقلم واسع الياقة يكشف نصف صدره.. الحكيمة زُلَف ْبلغت الخمسين، والقاضي أكبر منها بثلاثين سنة كما يقول هو. كانا يستمتعان بحياتهما بدرجة متوسطة. تسألين ماذا يعني هذا؟ حقيقة لا أدري، لكني سمعتها من سيدتي السابقة جميلات التي عملت عندها في معصرة النبيذ، وأعجبتني هذه ال ” بدرجة متوسطة..” هؤلاء السادة لهم كلمات خاصة بهم! كنت أعدو، وأفكّر بالقاضي المرقّش. بعد أن أعفاه الحارث من منصبه، صار من الصعب إرضاؤه.. حتى الحكيمة زُلَفْ لم تعد تطيقه. وعندما تفكّرين في هذا العجوز كثيراً فإنك سوف تتساءلين عن السبب الذي يجعله يواصل الحياة. فقامته شديدة الانحناء، وجسمه صغير. وشعره الأبيض منكوش دائماً، وعندما تسقط من يده المهفة أضطّر لأن ألتقطها وأضعها في يده. ولا عمل له سوى تقليب صحائفه العتيقة. أعلم أن قولي هذا فظ. لكنني عندما أفكّر في كرمه أرى أن السيد المرقّش ليس بكل هذا السوء. - من هذا؟.. كلاوبا؟ أدخل يا بني. هو دائماً يصيح هكذا عندما يسمع وقع خطواتي. وفي اللحظة التي دخلت فيها الدار كان يضع في أنفه ذروراً له رائحة نفاذه، وعطس. أشعرني ذلك بالضيق.. لست مغرماً بمراقبة ما يسيل من أنوف الناس. وزاد ضيقي أن العجوز كان يرتدي ذلك الثوب المقلّم القديم ذا الياقة الواسعة، الذي يكشف شعر صدره الأبيض الطويل، ونتوء عظامه المقوسة. - اجلس يا بني. جلست على حافة السرير الذي تفوح منه رائحة خليط الأدوية التي يتناولها العجوز: عنزروت، ودملخين، وخولنجان، وما شابه.. مسح كلّ وجهه بما في ذلك أنفه بخرقة يحتفظ بها تحت مخدته، وتمتم: - الطبُّ معجزة هذا الزمان! ماذا يمكنني أن أقول!.. اكتفيت بالإصغاء له وهو يستعرض خبراته العلاجية.. رغم أن زوجته حكيمة الأنباط، إلا أنه مستعدٌ للذهاب إلى ساحرة يهودية تعالجه بالتعازيم والبصقات على أن يستسلم لشيخوخته. الشهر الماضي اصطحبتنا الطبيبة زُلَفْ إلى حمامات بربيطة المقدسة، ذات الرائحة الخرائية.. رجع بمزاج حسن، وكأنه خدع الموت لعشر سنوات قادمات. وضع يده على كتفي برفق، وقال: أنت يا كلاوبا، لا تؤمن بمعجزات الطب لأنك لا تحتاجها. قلت له: أنت تعرف ما ينفعك يا سيدي، وتنفذه. - بالتأكيد.. ثم توقف عن هزّ رأسه، واستلّ من تحت فراشه رقعة جلدٍ أعرفها. وما كنت أتوقع ذلك.. اتخذ هيئة شديدة الجديّة، وقال: هكذا إذن؟ سوف تغادرنا كلاوبا؟ - أجل يا سيدي. ثم استغرق في طقس هزّ الرأس. ومهما بحثتِ، فلن تجدي أحداً يهزّ رأسه أكثر من المرقّش العجوز. وأنا لا أستطيع الجزم إن كان يهز رأسه بسبب استغراقه في التفكير، أم أن ذلك بسبب كونه عجوزاً طيباً. وفجأة، قال: إذن، فقد نلت إعجاب سيّدك الجديد؟ قلت بوقاحة: تقصد السيدة سولار شيخ السوق؟.. لا أحب العمل مع النساء. لقد جربت ذلك. قال المرقّش: لا.. أقصد السيد سفيان الكتبي. - أظن أن سادة كثيرين بحاجتي يا سيدي. اليوم بترا كلها كانت تبحث عن كلاوبا! كأنه لا يوجد أحد غيري يستطيع مرافقة سيدٍ في السفر. ضحك العجوز، وقال: رشّحتك لمهمة كبيرة.. أرجو أن تفلح. “رشحتك” ماذا يقصد؟ من أين يأتون بهذه الكلمات العجيبة؟.. ولم الفلاح؟ طُمْ. أنا أعمل، والسادة يقبلون أو يمتعضون.. طُمْ. لكني قلت بلا مبالاة: من الصعب إرضاء أحد هذه الأيام. غامت عينا العجوز، وقال: هل أغضبت السيد الكتبي؟ - تقصد الثمودي فارع الطول ذا اللحية الشهباء؟ إذا كان هو فقد جلست بين يديه بعض الوقت. - عيب يا ولد. تذكرت أن سيدي المرقّش ثمودي أيضاً، فتنحنحت، وطأطأت رأسي.. - وماذا قال لك؟ حركت مؤخرتي قليلاً نحو مقدمة السرير، وقلت: قال الحياة لعبة، وتكلّم عن ذلك بشكلٍ جيد، لا أعرف كيف أعيده على مسامعك يا سيدي. كنت أتمنى لو أنه لم يتحدث بطريقة جيدة. مضى يقول إن الحياة لعبة، وأشياء شبيهة بهذا.. مما تعرفه. توقف العجوز عن هز رأسه، وضحك عن أسنان بنية طويلة متفرقة: “لعبة؟ ولكن عليك أن تلعبها بموجب قوانينها!. إذا كنت تقف في الجانب القوي فهي لعبة بالتأكيد يا سفيان. أقرّ بهذا. أما إذا كنت تقف في الجانب الآخر، ففكّر جيداً حول أي شيء تدور اللعبة؟.. “لا لعبة ولا خرا..” عذراً ديالا العبارة الأخيرة من عندي، فالسادة يقولون أشياء غريبة لا أحفظها، فأضيف كلمات من عندي.. بالطبع لم يكن السيد المرقّش يكلمني، كانت عيناه ضائعتين في السقف، وكأنه يتحدث مع السيد الذي قال كلاماً لا أفهمه.. لكنهما ربما يفهمان أكثر مني. ولمّا أفحم السيد المعلق بالسقف، عاد يهز رأسه برتابة، ورمى بالرقعة التي أعرفها نحو الصيوان غير أنه أخطأ الهدف. نهضت، وتناولت الرقعة، ووضعتها فوق الصيوان.. وفجأة انتابتني رغبة قوية في مغادرة الحجرة. أحسست أن هناك موعظة يجري إعدادها قبل العشاء.. ورائحة القرع المطبوخ صارت أقوى من رائحة أدويته. أحب القرع. القرع لذيذ. لحمه للأكل، وبذوره علاج لديدان الجوف، والقشرة لصنع قصاع الطعام.. زيّنتُ القصعة التي تخصني برسمٍ لكِ وأنتِ تلعقين شفتك العليا.. لكن هؤلاء القضاة لا يتركون عاداتهم. بدأ الاستجواب دون إبطاء: - أنا أشك أنك تصفحت أوراقاً عن قوانين بترا.. ولو من باب الفضول. تمتمت: الحق أني.. يا سيدي. هتف متظاهراً بالغضب: ثلاث ورقات لم تنجزها في أسبوع كامل.. هات تلك الرقعة التي وضعتها هناك. جئني بها. هيا. جئته بها طبعاً. أمسك طرف الرقعة بتقززٍ واضح كأنما يمسك فأراً ميتاً من ذيله، وقال: أهذا كل ما تعرفه عن قانون بترا؟! بضع أسطرٍ بخط رديء، وفي الختام تقول.. “القانون لا يثير اهتمامي. لك الحق في أن تعفيني من شرف المهمة الجليلة التي لا أعرفها، فأنا على كل حال قد عثرت على عمل آخر”. وقذف بالرقعة نحو الصيوان، لكنه أخطأ الهدف مرة أخرى.. لا أعتقد أني سأغفر له أبداً قراءته ذلك اللغو بصوت مرتفع. ما كنت لأقرأها أمامه بصوت مرتفع لو أنه هو الذي كتبها، حقيقة ما كنت لأفعل ذلك. إن السبب الأساسي الذي دعاني إلى كتابة تلك الكلمات هو؛ حتى لا يصاب العجوز بالخيبة عندما يرفضني السادة الذين طلبوني لمقابلتهم على عجل. - ألا تهتم بمستقبلك على أي نحو أيها الصبي؟ - إني أهتم بذلك يا سيدي دون ريب. وفكّرت قليلاً.. - سوف تفكّر في ذلك أيها الصبي. سوف يحدث ذلك، لكن بعد فوات الأوان. ضايقني ما قاله. إذ جعلني أشعر كأني مت، أو ما شابه ذلك. كان ذلك ال “بعد فوات الأوان” مزعجاً.. أدخل العجوز إبهامه في عروة أنفه، وصار يهز رأسه، وفجأة شعرت بإشفاق نحوه. ربما لأنه يخطئ الهدف كلما رمى شيئاً. غير أني لا أستطيع البقاء أكثر من ذلك. راح ينتف شعر أنفه، وينظر إلى ما علق بين إصبعيه بإمعان، ثم يمسحه بتلك الخرقة بطريقة مقززة.. ثم توقف عن العبث بأنفه، وتوقف عن هز رأسه، واعتدل على سريره، وبدا أنه على أهبة أن يقول شيئاً حسناً.. لكن ذلك كان مجرد إنذارٍ كاذب. - ماذا سيقول عني الكتبي.. الولد الذي صرف ثلاث سنوات في خدمة المرقّش. مشرّع مملكة الأنباط الأول، وعضو مجلس الحكماء، لا يفقه شيئاً من قوانين بترا.. وراح يهزّ رأسه. هذا صحيح إلى حد ما يا ديالا، ولكنه ليس صحيحاً تماماً. مع أن بعض الناس يعتقدون أن بعض الأشياء صحيحة تماماً.. أنا أضجر من هؤلاء الناس الذين يطلبون أن يكون كل شيء صحيحاً تماماً. جاءت الخالة زُلَفْ تعصر فوطة بين يديها، وأعلنت: “الحق” أن العشاء جاهز.. لا أدري ما علاقة الحق بالعشاء، ربما تعلمت هذه الكلمة من زوجها القاضي، فالتصقت بلسانها، تقولها في بداية أي كلام تتفوه به. أوقف العجوز طقس هزّ الرأس.. ودسّ قدميه الجافتين مثل حطبة في خفٍّ مصوّف، فوجدت فرصة للوقوف والابتعاد عن السرير. قبل أن يقف العجوز وقوفاً تاماً، ويمضي إلى عشائه، صوّب عينيه الغائرتين إليّ، وقال: للأسف أن السيد سفيان الكتبي وافق على أن تكون مرافقه الخاص في مهمته تلك.. أتدري لماذا؟ لأنك بغل.. هززت رأسي. ليس موافقة لما يقول العجوز، أنا أهزّ رأسي أحياناً أيضاً. وأردّد كلمة “طُمْ ” حين لا تسعفني الكلمات.. شعرت أني لا أستطيع البقاء في بيت القاضي، حتى لتناول طعام العشاء.. فجأة صار للقرع رائحة كريهة، وتبين لي فجأة بعد ثلاث سنوات من الخدمة في هذا البيت الواسع، أن نوافذه ضيقة، وأن طعام الحكيمة زُلَفْ ليس لذيذاً. أخذت صرّة ملابسي، وخرجت. لم تنجح كل وسائل الخالة زُلَفْ “الحق” بإغرائي في البقاء حتى الصباح. جُبتُ شوارع بترا وبيضا ووادي النعام وسروة ومروة وتليلات العنب كأني أودعها. وفي آخر الليل صعدتُ درج عماد قسطو حتى المطهر. جلست على جذع الشجرة المقصوص.. تعرفينه طبعاً. ركبتاي تصطكان من البرد. من مكاني هذا، وخلال غبشة الفجر: أرى المعبد الكبير، وخزانة الحارث الأول، ومنصّة السوق، ومدخل زقاق النسّاجين المؤدي إلى بيتكِ. وأرى بوابة دار القضاء، وخان فينان القديم الذي صار داراً ل”الكُتَبَا”، وهذه كلّها أماكن عملت بها.. هل تظنين أنني أحنُّ إلى تلك الأماكن. أبداّ، ما يهم هو أنني حين أغادر عملاً أقرر وحدي أنني مغادره. ذلك يريحني. قلت لنفسي: إذا غيّر السيد الطويل ذو العينين الغائرتين رأيه، واستغنى عني، لن أعود إلى بيت القاضي العجوز، باستطاعتي أن أعمل في السوق، وأريح السادة من رائحة عرقي النفاذة. وددت لو أكتب لك يا ديالا، لكنهم طردوني من خان التعلم لأني لم أكن أعير الدروس اهتماما.. فقط استطعت فك الرمز الآرامي، وكتابة الإشارة بالنبطي، وقد كانت معلمتنا آنذاك ميرنا منات الكُتَبَي، لعظامها الراحة، ولروحها الأبد، كانت اشترت لي قفطاناً دافئاً منسوجاً من وبر الجمل، وكان لي قفازان من جلد الأرنب أضعهما في جيب القفطان، وأعلّق القفطان خلف المدخل كما يفعل التلاميذ أبناء السادة والأعيان. النساء دائماً أفضل من الرجال. هذا ليس تزلفاً لكِ. هنّ كنّ يعاملنني دائماً بشكل جيد. الخالة زُلَفْ اشترت لي دبعية دافئة استقبل بها الشتاء القادم.. هل سبق أن قلت للسيد المرقّش إنني لا أحب العمل مع النساء؟ لقد كنت أكذب.. أنا أكذب أحياناً، لكني لا أكذب عليكِ. أنا لا أحب هؤلاء الثموديين لأن لهم عادات غريبة. يحرّمون على أنفسهم ركوب الإبل، وهذا متعب. كنت أُمنّي نفسي بسفرٍ مريح في هودج فاخر إلى جانب سيدٍ مترف.. المترف الحقيقي في هذه الرحلة هي الناقة نايفة. إنها تسير متخففة من كل عبء، عليها فقط أن تدر الحليب المقدس للسيد كل صباح! ثم إن هذا السيد الكتبي لا يتحدث كثيراً على خلاف السيد المرقّش الذي كان يوقظني في منتصف الليل طالباً شربة ماء، وإبريق الماء بقربه على النافذة. لكنه يتحجج بالماء ليثرثر معي حتى يغلبه النوم من جديد، فأسوّي غطاءه فوقه، وأمضي إلى فراشي، فيكون النوم قد طار من عيني، فأتسلى بأن أثرثر معك حتى الصباح. عن ماذا كنت أتحدث يا ديالا؟.. أعرف أني أثرثر كثيراً، ذلك لأني مسافر، وأريد أن أقطع الوقت.. ذات يوم كان الثلج يجلّل صخور بترا بالبياض أضعت القفازين. ذهبت لأبحث عنهما، فصادفت تاجراً مصرياً في السوق، قال لي: أنت ولدٌ عفيّ، تستطيع أن تنقل هذه الأجولة إلى باب السيق؟ قلت: نعم أستطيع. نقدني ذهبية بحالها.. قلت لنفسي: لماذا أُتلف قفطاني على مصاطب التعلم مادام كسب الرزق بهذه البساطة. عملت حمالاً في السوق، ثم عملت صبي حداد أنفخ النار، وأطرُق الحديد من الصباح إلى المساء، ثم.. دائماً كان السادة يقولون أنني أقوم بأعمال لا تتلاءم مع سني. عندما عملت حجاراً في المسرح الكبير قالوا ذلك. وعندما تسلقت جدار السيق لمدّ قنوات الماء قالوا ذلك. ليس الأمر دائماً كما أصوّره.. لكِ أن تضحكي مني. الكتبي .. أثناء المسير الطويل لا أجد حيلة أفضل من أحلام اليقظة أتصيد بها اللحظات كما أريدها أنا، لا كما يطبعها خفّ جملي صهيب الذي يميد أمامي إلى الأمام وإلى الخلف في حركة رتيبة تدلّ على المسير، ولا تنبئ عن الزمن.. القفار الموحشة التي عبرتها القافلة تشعرنا أننا أصغر من ذرات الرمل، وأضعف من رياح البيداء.. نفزع من شح المياه، وسطوة الشمس، وحركة الرمال، ولكن.. مع مغيب الشمس تأتي النسمات الطرية التي نحتاجها، وتشعّ في السماء النجمة التي نحبها، والأفعال التي تريحنا تبدأ في استنبات نفسها، ونغرق في ضياعٍ ثمل يحررنا من كلّ قيد، حينها نشعر أننا أقوى من الشمس، وأكبر من القمر، وأننا نحن من يحرك الموجة، وأننا أبناء الحياة.. فجأة علا النفير، وانتشر الفرسان حول القافلة بتشكيل دفاعي.. امتشق كلاوبا فأسه واستدار بجسده ليصير ظهره بعكس اتجاه رأس البغلة التي يركبها. حركة مضحكة، ولكن هذا هو كلاوبا. وليس الآن أوان الضحك. قفز قائد القافلة من هودجه الفاخر برشاقة، واقترب مني مبدياً اهتماماً خاصاً بسلامتي.. قال: “أودية مأدبا ليست مأمونة عند الغسق”. وسمعنا صوتاً مشروخاً يستغيث: “اللصوص.. اللصوص..” كان ثمة رجل يرتجف تحت شجرة عرعر ممزّق الثياب.. قال رئيس الحرس لقائد القافلة: لقد لاذ المجرمون بالفرار لما رأونا نقترب. هتف الرجل المذعور راجياً: لقد سلبوني حمارين بحمولتهما.. هل أرافقكم يا سيدي. نظر إليّ قائد القافلة مستأذناً، ولما لم يجد في عينيّ اعتراضاً. أومأ لرئيس الحرس، فقام بتفتيش الرجل على عجل. ولمّا لم يجد عند الغريب ما يخفيه، مدّ قائد القافلة يده باتجاه الطريق، وقال للرجل المنكوب: الطريق ملكٌ للجميع. في تلك اللحظة شعرت بالخوف. ليس من الرجل الذي سيرافقنا، بل خفت من نفسي: ها أنت أيها السفير الحصيف تخالف التعليمات عند أول بادرة!.. قال لك رئيس العسس في بترا: لا تخالط الغرباء، واحذر المتطفلين.. نزعتُ بردتي، ورميتها على الرجل المفزوع، وترجلتُ عن فرسي ليركب مكاني.. “ها أنت تشجع الغريب على التطفل!”. تذكُر الملاحظات التي دونتها في المقابلة الأولى. معظم التعليمات كانت تبدأ بكلمة محظور. لا تتذكر الآن الأشياء المسموح بها.. وها أنت تصطحب غريباً.. قامت ضجة كبيرة حولي يحلفون عليّ أن أظل راكباً.. قال قائد القافلة: محطتنا التالية مأدبا. سنستريح على بعد فرسخين تقريباً. قلت: مسافة مناسبة للسير على الأقدام.. احتراماً لي، ترجّل كلاوبا، وأمسك زمام دابته.. أخذ نفساً طويلاً، ونفخ خديّه وهو يتنهّد. نظر بعينين نصف مفتوحتين في سديم الغسق.. وراح يثرثر مع ضيفنا الطارئ. عقلي يكتفي بالتأكيد أن لا عواقب لتساهلي مع الغريب، لكني لا أعرف ما هذا الذي يخيفني! * المشي يجعل الأفكار تسرح حرّة طليقة.. تجاوزنا حقول البلسم، وعبرنا كروم العنب والتين، وارتفع القمر فوق شروخ وادي أرنون مأكول منه خمسة أيام.. المرء يتحرك مثل موجة، يسافر هنا وهناك تنفيذاً للواجب، أو بصحبة المصالح، أما أفكاره فتحركها قوة دافقة: حين تغمره البهجة، وحين يتملكه الخوف، وحين ينتابه الأسى، فإن الأفكار تتولد داخله مثل الزوابع.. في مرحلة التعثر والترنح الأخيرة، وفي الوقت المناسب، وكما يحدث في الأحلام، صدرت الخشخشة السماوية لصوت حادي الركب.. - وقوف. نخيم هنا. أنخنا جمالنا في سهلة فرشها الرومان بالتيجان الحجرية، والحجارة الكبيرة، والدواليب الخشبية، وأدوات البناء.. حطّت القافلة رحلها. تخافت رغاء الإبل وزعيق الساقة.. ضوء القمر واهن، لكنه كافٍ لنرى ما حولنا. كلاوبا جمعت شتات شجاعتي، وهتفت بلسان نبطي صريح: أريد كروتي. لم يفهم السيد سفيان ما قلته أول الأمر، بل نظر إليّ طويلاً.. ثم تناول من حزامه خمس ذهبيات لامعة، وبحرج شديد قال أنه نسي الأمر، ووضعها في يدي الممدودة بوقاحة.. فلما فعل ذلك انتقل الحرج إلي، وأعلنت صادقاً جازماً أنني لن آخذ المال، وأن ما ذكر لي من أنني سأتقاضى أجراً منه كان من قبيل الخطأ من غير شك، فقال السيد إنني قدمت له الكثير من الخدمات، وبأنني سأقدم له المزيد، وأن ما قدمه هو مبلغ زهيد.. وأنه كان قد اتفق على هذا مع السيدة سولار لكنه “ارتكب نسياناً لا يغتفر”! ثم أمرني هامساً، أن أبقي عيني مفتوحة على الدواج، وأراعي احتياجاته! هذا الدواج رجل طيب. لا تسأليني لماذا. ألفته وألفني. تحدث لي عن رحلته. قال لي إن أباه مزارع، لكنه رغب عن كدّ الزراعة إلى التجارة ومباهجها، ومازال في بداية الطريق. عمره جاوز الثلاثين. قدم من ربّة عمون في قافلة مثل قافلتنا فيها التاجر والمهاجر والزائر. هذا الوصف من عنده، فأنا لا أجيد رصف الكلمات كما تعلمين. لكنه انفصل عن القافلة لما استراحوا عند بئر زباير، وسلك طريق وادي النمل متوجها إلى “ماء ايل”.. قال انه يبغي الوصول إلى حمامات ساخنة في هذه الديار، اسمها “ماء إيل” حيث يبيع للمرضى والمستجمين لوازمهم. كان معه حمار واحد يحمل متاعه، هو ركوبته. وهو كل ماله في الدنيا. لكنه قال إن اللصوص سلبوه حمارين بكامل حمولتهما ليستدرّ التعاطف، فضحكت، وقلت له ما دمت تكذب، لماذا لم تبالغ. وتدعي أنهم سلبوك الكثير. قال: في الحقيقة لقد سلبوني الكثير. الحمار وما عليه هو كل ما أملك. سألته: هل تربح كثيراً من هذه المهنة؟ قال: في الموسم الماضي ربحت ما ساعدني على شراء حمارٍ وخُرْج. وكنتُ آمل أن أربح هذا الموسم ما اشتري به بغلاً متيناً. والذي يليه أشتري جملاً. وهكذا.. حتى يصير عندي قافلة كبيرة. قلت لنفسي: إذن هذا ما قصده المرقّش العجوز لما قال لي: “هل تفكّر بمستقبلك يا ولد..”! سألته عن الينابيع: هل هي مقدسة؟ وهل لها رائحة.. فعرفت أنها شبيهة بتلك التي اصطحبني إليها المرقّش العجوز في الخريف الفائت. أشار إلى الكتبي، وسألني هل هذا المرقّش ؟.. قلت له: لا، هذا السيد سفيان، وصمتُّ. فقد حذرني رئيس العسس من أن أتحدث مع أحدٍ عن السيد.. فسألني الدواج من أكون.. قلت له: إذا كنت أثرت اهتمامك بالفعل، فأغلب الظن أنك ترغب في معرفة المكان الذي ولدت فيه، وكيف أمضيت طفولتي التعسة، وكل هذا اللغو، ولكنني لا أشعر برغبة في الخوض في هذه السواليف. قال : أنا أدعى “الدواج العموني”. سألته باستنكار: مهنتك دواج، لكن ما اسمك؟. قال: مهنتي أخذتها من اسمي، فأنا لا أحب أن أعاند الأقدار. ماذا يعني بقوله: يعاند الأقدار؟ من أين يأتون بهذه الكلمات! لما لاحظ صمتي، تابع الدواج قائلا: هذه أسماء دارجة في عمون: دوّاج، وخياط، وناسج، وسايس.. داريت جهلي بأن هتفت: أنا كلاوبا، أعمل في خدمة السيد سفيان الكتبي شيخ معبد الكتبا.. التحقت بخدمته مؤخراً.. وقد تولت السيدة سولار شيخ السوق تجهيزي لهذه الرحلة. صمت رفيقي، وراح يراقب بزوغ القمر.. وها أنا أتدرب على ما سأرويه لكِ عندما أعود. أتذكرين عندما كنا نصعد درج المطهر، نجلس على جذع الشجرة المضحك الذي يتبرك به حجاج بترا الزاهية. من ذاك المكان كنّّا نرى السوق بكامل صخبه، ونراقب الصراع على السلعن والطالن بين المتسوًقين، ونضحك من انفعالات المتفرجين.. ما أرغب بأن أعترف به الآن، أنني كنت أراقب النساء أيضاً حتى ولو كنّ لا يفعلن شيئاً سوى أن يهرشن رؤوسهن، أو يتمخطن. سألني الدواج هل تتحدث مع نفسك كثيراً. قلت له لا. أنا أتحدث مع ديالا .. حدجني بنظرة ثاقبة من تحت حاجبيه الكثين، وهتف: ديالا؟ .. قالها وكأنه يعرفكِ، أو يعرف أحداً من أهلك! قلت مرتبكاً: ديالا، أمها شيخ السوق السيدة سولار، أبوها معماري بترا الأول.. هو الذي بنى المسلة الكبيرة. قال الدواج: أبوها الفنان أنعم! أليس كذلك؟ صححت له: اسمه المعماري أنعم. أتعرفه؟ حمده الرجل متمتماً: طاب ذكره، وحسنت أفعاله.. أهي خليلتك أو.. قلت: كانت توافيني كل يوم عند الغروب إلى هناك، إلى الشجرة المقصوصة، وبعد الغروب نهبط الدرج سويّة. هي صديقتي.. ليست شهية كما تتصور.. أقصد أنا لا أشتهيها، فهي مثل أختي، نلعب سوياً. نسخر من الناس سوياً. وتضحك هي دائماً. تبسم الدواج عن أسنان نظيفة، وكأنما يشجعني، فتابعت الحديث كأنما أدافع عن نفسي أمام السيد المرقّش: ديالا لها أنف كبير، وثديان كبيران، أما ما تبقى من أجزائها فكلّه صغير. ربما أكثر ما أثار إعجابي بها، أنها لم تحاول أن تشيد بعظمة أبيها، ومكانة أمها، كما يتبجح أبناء الأنباط عادة، وعلى الأغلب أنها كانت تعرف أن مصدر أرباح أمها ليست نزيهة دائماً.. أُعجب الدواج بصراحتي، وحدّثني عن زوجته التي أنجبت بنتاً وحيدة، وفي كل عام تلد مولوداً لكنه يموت فور ولادته، وهو يرغب أن يكون له ولد ذكر يمدده في قبره حين يموت، ويشدّ على أيدي الرجال، وهم يعزّونه.. قلت له: أنا لا أفكّر بالموت أبدا. * “طم”.. أظن شوكة وخزتني، وهي تغور عميقاً.. لأنني خادم اعتيادي، عليّ أن أقلع شوكي بيدي. لأنني خادم اعتيادي فلا أحد يهتم بي.. أنا علي أن أهتم بالآخرين. مثلاً: أنا مهتم، الآن، بتلك السيدة الصغيرة التي في حالة إرهاق فاتن. الرجل الذي يرافقها وضع عمامته في حضنه، وجلس يستريح تحت شجرة سنط. هي أراحت مرفقها من صرّة متاعها وجلست بجانبه. لماذا يجلسان تحت الشجرة؟ هل يحمي قرعته الصلعاء من ضوء القمر؟.. ربما تعود أن يرتاح تحت شجرة سنط! المرأة التي في حالة إرهاق فاتن تضع صرتها فوق عمامة الرجل الجالس في الظل القمري لشجرة السنط.. تنهض. تمرُّ. فتحتُ دبعيتي أكتال الهواء الناعم بنهم، وأطلقت زفيري بأقصى ما أستطيع. واصلت سيرها دون أن تلتفت إلي. أواصل فسخ الحمل عن البعير ماسحاً عرق جبيني بإصبع الإبهام. وأتبعها نظري.. هل هي ذاهبة لقضاء حاجتها؟ * “باطن قدمي يحترق”.. تمتم السيد سفيان. لا أحد يهتم بكلاوبا. كلاوبا يهتم.. سارعت بتهيئة مجلسٍ للسيد على شدادٍ أنزلته عن ظهر الجمل صهيب، ريثما نقيم خيمتنا.. الثمودي لا يضيع وقته، أدار وجهه للجنوب. تنفس بعمق، وجلس على الشداد يتلو صلاته.. قال العموني: ساقي تشنجت. وزاحم سيدي في مجلسه. قلت له: قم يا هذا. ما أنزلت الشداد من أجلك. لم يقم، وقام سيدي!.. مضى إلى صخرة بيضاء نظيفة. خلع نعليه، وتربع فارداً كفه اليمنى على صدره، ورفع وجهه إلى السماء. تركته لصلاته، وقلت للدواج لا أطيق سيدين في مكان واحد، قم وساعدني في إعداد الخيمة. ضرب بطّة ساقه ضربتين سريعتين، وقام.. الحقّ يقال، إنه رجل صاحب خبرة. اختار مكاناً ملائماً قبالة الحفرة التي أعدّها خدم القافلة موقداً، أزال الأشواك والنباتات اليابسة، وقال لي: اكنس هنا. كنست. وبمهارة وخفّة فرد متاعنا فيما أنا أرفع عمود الخيمة الصغيرة، وراح يرتّب الأشياء وكأنه في بيته! ثم أخرج وعاءً نحاسياً، وضع فيه كمشة ملحٍ، وصبّ فيه ماءً، وقال لي: اذهب وضعه على الموقد.. طم. هذا مسافر عابر تعرفنا عليه للتو صار يأمر ويطلب! طم.. السيدة التي في حالة إرهاق فاتن عادت تحمل بساطاً مطويا. وتكمش ثوبها لأعلى لئلا يعيق خطوها.. لمعة ساقها في ضوء القمر طيرت لبي، فذهبت لأعرض خدماتي على السيدة التي في حالة إرهاق فاتن. نظرتْ السيدة إلى الرجل الجالس تحت شجرة السنط، وغمزت بعينها. فهمت أن بودها.. ولكن عليّ أن أعرض مساعدتي هناك. كان العموني يحفر قناة صغيرة حول الخيمة. ارتبت في أمره، هتفت: هل تحيط خيمتنا بتعويذة؟ أم ترميها بطقس من طقوس السحر!؟ ضحك، وبدل أن يجيبني على سؤالي ناولني المسحاة، وقال: تابع الحفر ريثما أعود. طم. سبق أن قلت لا أطيق سيدين في مكان واحد. اتكأت على عصا المسحاة، ولم أعرف لماذا يريد حفر قناة حول الخيمة. رحت أراقب السيدة التي في حالة إرهاق فاتن وهي تجلل الشجرة بالبساط .. تصاعد البخار من قصعتنا، وقبل أن يغلي الماء، رفع الدواج القصعة وذهب بها إلى سيدي.. طم. سيُطردالمزيد
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الزمن المفقود

كتبها هاشم غرايبه ، في 28 تموز 2007 الساعة: 14:56 م

 

 

 

 

 

 

ملامح الحياة الجديدة

 

               *هاشم غرايبه

 

ياه كم كبرنا!

 

الانتقال إلى بيت جديد يذكرك بأنك عتيق، ويحتم عليك نبش كل محتويات البيت، ويخرج كل المسكوت عنه لسنوات في الزوايا المنسية، والأرفف العالية، وسدة المطبخ.. فترمي أشياء لا لزوم لها، وتوظب "كراكيب" لا أهمية لها من باب "حوينتها"، ويدهش الأبناء بأنهم كانوا يلعبون ويفرحون بهذه الأشياء الساذجة قياسا للتطور التكنولوجي الهائل على ألعاب الكمبيوتر اليوم..

 

تعثر على بيجر صغير كنت تلقيت بواسطته خبر وفاة الوالد قبل عشر سنوات، تترحم عليه وعلى الراحلين، وتدهش كم تطورت الاتصالات خلال العشر سنوات الأخيرة!

 

تكتشف ربة البيت أن مسند الكنبة المكسور والمسكوت عنه لسنوات يستوجب تغيير طقم غرفة الضيوف بالكامل، فتنشب حرب أهلية حول ما يرحل معنا، وما يستغنى عنه.. وما ينبغي استبداله.

 

يجد ابنك الصغير "برنسا" مغربيا أحضرته ذات سفرة لأخيه الذي كبر وصار شابا، فيختال الصغير فرحا بالرداء وكأنك أهديته له  للتو.. وتنثال ذكريات رحلة قديمة إلى فاس ومكناس ومراكش، فتحن لسفرة إلى تلك البلاد الجميلة من جديد.. ترى هل ستكون بلادا جميلة كما كانت في تلك الرحلة قبل خمسة عشر سنة؟

 

أمي - أطال الله عمرها- لا يتملكها الحنين إلى الماضي، تقول:

 " يقطع قبل، وحياة قبل، طين وشطط وحصيدة وسليقة.. انقلي مي وحطب، وزبلي الفرن، وغربلي وكربلي كل عمرك.. اليوم الناس بألف نعمة، حطي إيدك ع الحيط تطلع مي، حطي يدك ع الحيط تشعلي الضو".

.. لكن أمي ككل الأمهات العتيقات، لا تحب البعزقة، كانت تصنع من ملابسنا التي نستغني عنها أغطية صيفية خفيفة.. لكن هذه "اللحف" الخفيفة استقرت في قاع "المطوى"، أو تحت فرشة السرير.. هل آن أوان الاستغناء عنها؟.. هذه الأغطية الخفيفة رغم أن بعضها  لحق به عفن الرطوبة لقلة الاستعمال، إلا أنها تحمل أرشيفا كاملا لملابس العائلة عبر تبدلات الموضة، ونمو الصغار، وسمنة الكبار.. هذا "مريول" أختي عندما كانت في "المترك"، وتلك قطعة من  

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

زيارة

كتبها هاشم غرايبه ، في 7 حزيران 2007 الساعة: 18:20 م

 زيارة

المطر غزير ..ومع ذلك زارتني امي

وصلت شبك الزيارة شبه مبللة.

أحضرت لي دجاجا مطهوا بالزيت والثوم.. والاهم خبز الطابون الطازج الذي احبه.

حاولت أن تقبلني لكنها لم تتمكن بسبب ازدحام المكان.. بكت وتنحت قليلا.. أول مرة منذ مدة طويلة

تطفر الدمعة من عيني وأخفيها بسرعة ..

انفرجت زحمة الزوار قليلا .. عادت أمي باسمة .. تحدثنا عن الدار والموسم الزراعي .. سألتها عن همة والدي معها فزجرتني بلطف.. تنقلت بين التفاصيل ..سالت عن الاخوة والأخوات .. الأحفاد والحفيدات.. الغنم والدجاج أيضا .. وفي السياسة تحدثنا ايضا.. كنت في بداية الحبس اضطر لطمأنتها بان الحبس لن يطول ، وكانت تلح علي أن اترك ما في رأسي أعود اليها.. الآن تقول :( اللي قطع البحر مش عاجز عن البحيرة ).. ( ما يقطع الراس غير اللي ركبّه ).. لا تتكلم كثيرا ، لكنها تشد أزري بطريقة لذيذة لا تجيدها إلا الأمهات.. ( نايفة خلفت ولد أسمته هاشم ).. تلمع عيناها بفرح طفولي وهي تضيف :

( صاروا سبعة بحواره على اسمك )..

فول اخضر.. بيجاما.. جرابات شتوية .. جرزة صوف نسجتها أختي نجاح .. رائعة زيارة الام.

أبي.. هذا الرجل الوقور الحازم ، تقول عنه أمي عنه حين تريد إطراءه :( نقطة منه تصلب بحرا).. دائما يبتلع الامها.. يرتفع فوق شكاياتها.. في نظرها ما زال قادرا على إيجاد حل لكل معضلة.

اجل أبى بإخلاص ومودة.. طابور الرجال أطول من طابور النساء على باب السجن .. يصل أبي متأخرا ومبللا دائما كان ياتي الى البيت متاخرا ومبللا وقت المطر.. يسلم باقتضاب لكن بحرارة .. حدثني بما سمعه من أحداث العالم ، وتدرج إلى أحوال العرب ، وانتهى إلى سياسة قريتنا : الصراع على المجلس البلدي .. نقاشات المضافة .. مواقف عرفاء القوم.. أفراح أهل حواره واتراحهم.. إشكاليات الزواج والطلاق ، والموت والميراث .. ما حل منها وما تعقد.. يصمت قليلا تاركا المجال لامي .. لكني استزيد .. يبتسم .. أبي ليس زعيم قومه ، لكنه محبوب بينهم.

تشاركا أبي وأمي الحديث وهما يوجزان لي إنجازاتهما في زراعة الزيتون الخلة الشرقية ، أو في بناء سنسال للكرم القبلي ، أو بيع ماشية ، أو إقامة وليمة.. ويستشيراني فيما هما مقبلان عليه من مشاريع ، فارد عليهما: ( اللي تشوفوه ) .. يغتما.. من عادتي أن أعارض أو أشجع ، في السجن لم اعد كذلك .. زرعوا 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بوح

كتبها هاشم غرايبه ، في 3 حزيران 2007 الساعة: 21:39 م

 

بوح

 

 

*قصة:هاشم غرايبة                         

 

 منذ التفاحة الأولى يحدث ذلك!

قالت: الطريق وجدت للمشي، لا للوصول.. إذا وصلت غابت الطريق، وتخلّى عنك الرفيق!

بعد أن علمتني العيش مع الغموض، وقبول ما تجود به الطريق؛ غادرتني!

.. وكنت أحدس بما سيحدث، وأعرف أننا سنفترق في تلك اللحظة التي نكون فيها مكتظين بالبوح، ولا نبوح!

ما دام الأمر يحدث كذلك منذ الأزل، فلا شك أني تعرضت له، أو عرض لي وأنا في التاسعة من عمري، ولكني لا أتذكر تفاصيله، مع اني متأكد أنه حدث بالبداية ذاتها، والنهاية ذاتها، وعلى الطريق ذاته!

يحدث ذلك دائما في اللحظة الأخيرة! نكتشف أن ما نريده حقا وبقوة، وما يحقق لنا السعادة؛ هو شيء يوشك أن يصير وراءنا، أو سيطير من بين أيدينا، ولا مناص.

بي رغبة في أن أظل هائما في الطرقات حتى ارتفاع الشمس. عمري الآن تسعة وخمسون عاما. هذا سن حرج، لا أعرف بأي معنى أقول إنه سن حرج.. شعرت بهذا الحرج في سن التاسعة عشرة، والتاسعة والعشرين، والتاسعة والثلاثين.. في سن التاسعة والأربعين تتمنى لو تستطيع توقيف الزمن، لو تستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. .. رقم تسعة يزداد حرجه، وتزداد حلاوته في فمي كل دورة. ماذا عن حرج وحلاوة سن التاسعة والتسعين؟

*

أحسن الطريق أوله، "وكل من لا يصحب رفيقا فهو ليس على بينة من سلامة الطريق".. التقيت بها:

   أعرفك منذ الأزل!_

(من أول نظرة، كانت تتولد لدينا نفس المزاعم!)

كنت في التاسعة عشرة من عمري، وكانت إلى جانبي طيلة السنة الدراسية: صبية تركمانية لها عينان بلون السماء، كانت تتكلم اللهجة العراقية بلكنة قومها، وكنت أتكلم بلهجة حورانية ولكنة شامية، وكنا كثيرا ما نتحاور بتواطؤ مشترك لتظليل من حولنا، وبلغة مرتبكة أوقعتنا في سوء فهم حميم.

 كان قيظ بغداد شديدا ذلك اليوم. خرجنا من الامتحان الأخير معا، ومشينا تحت الشمس اللاهبة، وكان ثمة راديو يغني: ياللي قطعة سما بعينك، خاف افززها من اقلّلك: أنا احبك.. كانت أقدامنا تكاد تترك أثرها على الإسفلت لشدة الحر، لكنه كان بردا وسلاما.

شربنا ماء من ساقية الحاجة عيوشة في العطيفية، واستدرنا إلى باب المعظم حيث شربنا لبن أربيل، ومشينا في شارع الرشيد وشربنا زبيبا من عند الحاج زبالة، ووصلنا منطقة حافظ القاضي فدخلنا مطعما رخيصا مكتظا بالزبائن؛ لا لنأكل بل لنفرغ ما شربناه. حشرنا جسدينا على طاولة متواضعة، وتناولنا طبق تمن ومرق مع غرباء فظين، ثم تابعنا المشي فرحين.. عبرنا من تحت جسر الجمهورية إلى شارع أبي نواس، ووصلنا المسبح، ثم عدنا في الباص إلى مجمع الافتراق في الميدان .. لكنا لم نفترق، بل عدنا أدراجنا إلى الشورجة، ثم الى منطقة البنوك.. وعبرنا سوق الصفافير باتجاه دجلة.

كنا نثرثر عن كل شئ، ونضطر أن نشرح الكلمات التي نتبادلها في كثير من الأحيان، فأنا لم أتقن اللهجة البغدادية بعد.. كنا نستعين باللهجة المصرية (لغة السينما المهيمنة آنذاك) لتقريب المفاهيم، ولتصحيح سوء الفهم، ولما حانت لحظة البوح بما اختزنته صحبة عام كامل من التآمر على رغباتنا، افترقنا بصمت، وكأن الواحد منا نسي شيئا في جيب الآخر.. ابتعدنا عن بعضنا دون أن نأخذ ما نسينا، آملين أن غدا يوم آخر. لكن غدا كان سفر، وعدت بعد العطلة الصيفية من عمّان إلى بغداد فلم تكن الصيبة في الكلية، ولم أكن امتلك الحدس الكافي لأعرف أنها هاجرت وأهلها إلى خارج العراق!

*

خافضة البصر أو رافعة، لا بد أن تلتقي العين ب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb